الثلاثاء، ٢٦ أغسطس ٢٠٠٨

( 4) بدايات

لم أعد طفلة، أنا الآن في بداية المرحلة الإعدادية، لعلّي أكاد أُنهي الصف الأول، وأمور كثيرة تغيرت:
بين مدرّسينا رجال: مدرس للديانة , وآخرُ للرياضيات، كنا متوتّرات كثيراً أولَ الأمر، ولم نستطع كتمانَ اهتمامِنا وانشغالنا بهما
ومن أشقِّ ما جدَّ علينا أنّا بدأنا- نحنُ المحجباتِ- نشعر أنا غيرُمرغوبٍ فينا، وأن حجابَنا مصدرُ ضيق وحنَق لكثيرين وكثيرات، ونحن في حيّ الميدان المشهور بأنه حيّ محافظ
درس الرياضة بالذات غدا مشكلة كبيرة، نقف للعب في الساحة التي يعبُرُها أذَنَةٌ ومعلّمون ومُراجعون، المعلمة متضايقة من تغطيتنا رؤوسَنا، ومن التنورة فوق البنطال، والأعجبُ والأكثر قَهراً:كيف تقرِّب منها الحسناواتِ وتُعفيهن أحياناً من الاختبار
وكنت أخرج بالزيِّ المدرسيّ الأزرق ذي القطعتين، فوق قميصٍ أبيضَ..أحببت هذا الزيَّ مذ كنت في الابتدائية، وانتظرت ارتداءه بلهفة، لبسته مع جَوربين أبيضين أو كحليَّين طويلين ينتميان إلى أزياء الطفولة، أو بنطال كحلي يعطيني المزيدَ من الحرية في الحركة، وبخاصة أني كنت أستقلُّ الباص غالباً إلى المدرسة
أما في الدرس فمعظمُ البنات، يرتدين معاطفَ طويلةً عريضة، بألوان مختلفة، تتجاوز الركبيتين قليلاً أو كثيراً، غير أنها حتماً لا تغطّي الساق كلها، وجواربَ سميكة( جدا) ولا ينتعلن إلا أحذيةً بسيطة
كذلك كانت آنستي..لكنها لا تلبسُ إلا اللون الكحليّ
ومصطلحُ الآنسة في سورية يُطلَق على كل معلمة، في المدرسة وخارجَ المدرسة، مهما يكنْ عمرُها، أو عدد أولادها.. لكن آنساتِ الدرس الديني كنَّ غالباً غيرَ متزوجات.. تبتَّلن للدعوة اقتداءً بالآنسة المؤسسة منيرة قبيسي، وبخاصة هذا الرعيلُ الأول الذي اختارته وشكّلته في بداية انطلاقتها
كانت آنستي منهن، وإن كانت يومَ عرفتُها شابةً صغيرة لم تتخرج بعدُ من كلية الشريعة، لكنها لم تتزوج أبداً
***

كنت متحمسة جداً للذهاب، بين أولئك البناتِ الطيبات لن أفكرَ في شكلي، شعري سيظلُّ مغطّى، لا أحد سيهتمّ بتناسق ملابسي وجِدَّتِها.. همّ الجميع واحد: أن يتعلَّمن حبَّ اللهِ ورسوله وطاعتَهما
أخذت معي دفتراً وقلماً.. دون أن يطلبَ إليّ أحد..وكنت أُعتبر في تلك الأيام بنتاً مجتهدة مطيعة حريصةً على التعلم
وكنت أعرف قواعد الدرس، لم يذكرها أحدٌ صراحة، ولم تُملَ عليّ.. لكنها تسري في الأجواء دون كلام، وتشكّل وعي( أولا وعي) كلِّ بنتٍ تنضمُّ إلى الجماعة، من ذلك مثلاً
أنك يجب أن تَصِلي قبل الآنسة، ستشعرين بالحرج الشديد لو وصلت بعدها
لا أحدَ يجلسُ إلا على الأرض، ثمةَ أريكةٌ أخرى، لكنْ كما تلاحظين كلُّهن على الأرض، أحياناً تحضُر بنت جديدةٌ غيرُ محجبة فنجلسُها عليها
الآنسة يحق لها أن تتأخر، ساعةً أو تزيد.. لا أحدَ يسألُ لا أحد يُبدي استغراباً
وإلى أن تحضرَ الآنسة ثمةَ ما نُمضي به الوقت.. يمكنُ أن نسمّعَ القرآن.. لكن يغلبُ أن ننشدَ ونذكر الله معاً! وفي الذكر صلاةٌ على النبي مغنّاة معروفة.. لا يخلو منها مجلسُ ذكر حتى في الإذاعة عندما تُنقل صلاةُ الجمعة أو فترة السحور.. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله، ثم نعيد الصلاة لكن على أسعدنا، ثم سندنا، ثم نور الهدى.. بحيث يرتفع الصوت بنغمة معينة لدى تبديل المفردات تلك، مانحاً شعوراً بهيجاً مريحاً لا يمكن تفسيره لدى بنت في الثالثة عشرة
ثَمّةَ الكثيرُ من الأناشيد بالفصحى، ثمة أغانٍ بالعامية، اكتشفتُ بعد عقد من السنوات أنها تشبه أو تطابق أغانيَ لصباح فخري، المغني الحلبيّ المعروف، ذي الحَنجَرة الجبارة
في أحيان قليلة يُطلب إلى بنت صوتُها شِبه جميل( فبعدَ صوت الآنسة نجد أنه لا صوتَ جميل، وكان هذا حقيقياً في حالة آنستي) أن تنشد، فنستمع ونثني خيراً
تحضر الآنسة.. تنهض البنات بحماس والسرور يملأ وجوهَهن، تنكبُّ بعضهن على يدها فتقبلُها، يُفسحن لها الطريق إلى مكانها.. ثم يجلسن، السعيدةُ من كانت الأسبق، وجلست أقربَ إلى الآنسة، بالتحديد: قربَ قدميها
لا أحدَ يسألُ أثناءَ الدرس، لا أحدَ يعترض، الكل يستمع، ويفضَّلُ أن تكوني مطرقةَ الرأس إجلالاً وحياءً من الله..

قد تلقي الآنسة بعضَ الأسئلة ربما لتجدّدَ انتباهَنا، لكنها تجيبُ عنها بنفسها، بعد أن تسمعَ كلمةً أو نصف كلمة من الإجابة

***
لأمر ما لم أحرص على التقرُّب من الآنسة..فبدأت أتّهم نفسي بالكِبْر، وأفكر بعبارة أمي: ستّ نفوس!! التي ترميها في وجهي عندما أدافعُ عن نفسي، أو يبدُر مني ما يشير إلى ردّ مهانة أو اعتدادٍ بالنفس


هل ستبدأ معاناةٌ غامضةٌ محرجة تشقّ طريقَها إلى كيان الفتاة المهذّبة الخجول؟

هناك ٥ تعليقات:

Unknown يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حمدا لله على سلامتك ونرجو ان يكون سفرك محققا لمقاصده، جزاك الله خيرا على ما تقدميه لنا من معلومات حول هذه الجماعة، واجمل مافيها انها انطباعات طفلة بريئة لاترى في الأمر إلا قربة إلى الله وزيادة علم وفقه في الدين، واحس من الآن بحرقة وألم لما ستعانيه هذه الطفلة بعد ان تكتشف الحقيقة واتخيل كيف سيكون رد فعلها بعد ذلك، لذا أرجو ألا يطول ألمي وألا تسرح بي خواطري (لانها قد تشتط وتذهب بعيدا حسبما تغذّيها معرفتي بهذه الجماعة) وألا تتوقفي ثانية أختي الكريمة لنبقى على تواصل ومتابعة.
جزاك الله خيرا وحفظك من كل سوء.

فاطمة يقول...

مرة أخرى جزيت خيراً على المتابعة والاهتمام.. لعل هذه الذكريات تجمع بين المعلومات التي تحدها التجربة، وبين الانطباعات التي بقيت حية إلى اليوم.. أسأل الله السداد

غير معرف يقول...

سددك الله أستاذة فاطمة...تشوقنا للمزيد؛ لقد تفاعلت الصوفية مع المجتمع السوري إلى أن دخلت في تركيبه...ولا ننسى صورة(رجال الميلوية) على العملة السورية ؛ سننتظر الطفلة وكيف بدأت نقطة التحول؛كما أتمنى من البنات اللواتي يحضرن هذه الدروس إلى الآن أن يقرأن ما كتبته ويستفدن من هذه التجربة, التي ستختصر عليهن الكثير..

فاطمة يقول...

شكراًللأخت للمجهولة التي أتمنى معرفة اسمها.. أسأل الله العون، وأوافقك الرأي بالطبع، وبخاصة لما نراه من تأييد وتمجيد لهذا الخط.. إنه الخط( الآمن) لصاحبه وللنظم الحاكمة..
وما توفيقي إلا بالله

مع تحيتي

غير معرف يقول...

(ست نفوس)؟! لم أتوقع أبدا أنك مررت في هذه المرحلة يا خالة.. :)

متابعة بشغف.. حتى الآن تقريبا لا شيء كمعلومات أو وصف جديد بالنسبة لي، لكن شعور المجرّب يعطي نكهة مختلفة.