الجمعة، ٨ أغسطس ٢٠٠٨

( 3) وليَ آنستي

عامان أو أكثر مرّا على ذلك الدرس في جامع الروضة، غادرت الأسرة خلالهما قطنا إلى دمشق، لظروف عمل والدي
لعلي شعرت ببعض الوحشة والغربة.. ورغم أن البيت الجديد في دمشق كان واسعاً جداً، إلا أن حديقة قطنا العامرة بالجمال والنقاء تحولت إلى بلاط جافٍ يحيط بالبيت.. تقلصت مساحة السماء واختفت الخضرة أو كادت، واختفت بنات الجيران وصديقات المدرسة..
صارت فرحتي أكبر حين تزورنا بنات الأخوال والخالات، وقد أصبحت الآن مثلهن من سكان دمشق، وبلغ الفرح مداه حين زارتنا ثلاث منهن يوماً واستأذنّ أمي في أن أرافقهن إلى( الدرس)، كان ذلك يعني الخروج من البيت ورؤية ناس مختلفين.
ولعل مما زاد في بهجتي أن إحدى القريبات كانت صديقة عزيزة جداً تقاربني سناً، وكنت أعتبر حضورها إلى بيتنا عيداً، لخفة ظلها وجرأتها.
كنا في حي الميدان، بينما قدمت قريباتي من أحياء أخرى، ولم يكن التنقل بالباصات الكبيرة المضطربة المواعيد بالأمر السهل على ثلاث فتيات مهذبات سابغات الستر.
لم يكن البيت الذي قُدنَني إليه بعيداً بالنسبة لما تعارف عليه الناس يومها، لكنا انتقلنا من القسم الجديد في حي الميدان إلى القسم القديم، ذي البيوت عربية الطراز التي تقودك إليها حارات ضيقة، تتباعد فيها الأبواب الصامتة المزروعة في جدران عالية جداً
وكالعادة ينفتح البيت الدمشقي على دهليز معتم قليلاً. يقودك إلى فناء فسيح محاط بأشجار الكباد والليمون والنارنج.. وأنواع الزهور.. ربما لم تعد ثمة حاجة للوصف، من أراد وصفاً أدبياً تزينه شجون الحب والحنين فليقرأ ذكريات الشيخ الأديب علي الطنطاوي، ومن أراد الصورة فقط فلا شك أنه رآها في المسلسلات السورية، التي تجد في العودة إلى الحارة مهرباً ذكياً من مناكفة دهاليز الحاضر
كان الجو دافئاً.. فكان الدرس في الليوان، وهو تلك البقعة المسقوفة من الفِناء الذي نسميه أرض الديار
جلست الآنسة في صدر الليوان على أريكة.. بينما جلست البنات والسيدات على الأرض، من حيث استقرت قدماها إلى نهاية المجلس، مطرقات الرؤوس، يصعب تبين وجوههن
أذكر من ذلك البيت، من ذلك المشهد الجديد .. سيدة براقة الوجه، رغم بعض التجاعيد، تجلس على كرسي، كانت أحياناً تقاطع الآنسة( لا يفعل هذا غيرها) وتسهم ببعض الأمثلة والقصص التي كانت هي طرفاً فيها، ولعلها كانت تلقي علينا معاشر الصغيرات بعض التوجيهات الاجتماعية. وكانت الآنسة تستمع بأدب وابتسامة لطيفة، وقد علمت فيما بعد أن تلك المتحدثة من أقارب أهل الدار. كما تعرفت يومها بابنة الدار التي رحبت بنا كثيرا، وكانت تغطي رأسها هي الأخرى، في بيتها، مثل سائر التلميذات
أستطيع أن أزعم أني سررت جداً: بلقاء بضع بنات من سني، بالأناشيد العذبة التي تبدؤها الآنسة بصوت رخيم صاف..ثم تشاركها التلميذات.. كان الدرس يخاطبني، يأخذ بيدي إلى طريق سعادتي التي لا تكون إلا برضا الله عني.. هكذا يجب أن أكون، تماماً كما تقول الآنسة.. وما تطلبه الآنسة هو عين ما تطلبه أمي: أن أحرص على صلاتي، ألا أغتاب أحداً، أن أحفظَ القرآن.. هل في الحياة أفضل أو أجمل من هذا!
لكن الجلوس على الأرض طوال هذه المدة مزعج جداً
***
بُشّرتُ فيما بعد أن قريبتي الأصغر، تلك الجريئة الوضاءة، ستكون رفيقتي في الدرس كلّ أسبوع، أي فرحة! أما الصبيتان الأخريان فكلٌّ منهما لها درسُها وآنستها

هناك ٥ تعليقات:

Unknown يقول...

في البداية جزى الله خيرا الأخت العزيزة ونفع بهاالامة، أظن أنني أقرأ للمرة الأولى كلاماً هادئاً متزناً ولا أزكي على الله أحداً عندما أقول إنه كلام صحيح لأنني على صلة بكاتبته وأعرف أنها صادقة، تنطلق من تجربة حقيقية عاشتها ببراءة الطفولة وحكمت عليها بنظافة الفطرة وقدّر الله لهذه التجربة أن تصلنا ونحن بأمس الحاجة لمعرفة تفصيلاتها.
لقد كُتب كثيراً عن هذه الجماعة، وقرأت معظم ماكتب فوجدت هجوماً غير مرغوب فيه،كما وجدت نقداً لأسباب سطحية، ووصفاً ظاهرياً، كم تمنيت وأنا أقرأ أن يوضّح أحد حقيقة ما يجري، وأن يدلّ بيده على نقطة الارتكاز والأهمية في خطورة الأفكار التي تُنشر ويُعمل على ترويجها والتي تجعل الناظر بعينه لاببصيرته إلى المجتمعات التي تنتشر فيها يظن ان الأمة بخير طالما هناك غطاء على الرأس.
نعم غطاء على الرأس بينما بقية الجسد لاتُستر كما يجب، طالما هناك صلاة في المساجد دون أن تنهى عن الفحشاء والمنكر.. أخطاء كبيرة تُرتكب بناء على توجيهات مسموعة ومقدسة، فلأنّ هذا هو الإسلام وهذه هي الدعوة وهذه هي الطاعة المفروضة للشيخة؛ على المريدات أن يسمعن.
هذا ما خطر لي الآن، ساتابع معك أختي راجية لك التوفيق.

غير معرف يقول...

جميل يا خالة..
أعجبني أن أقرأ من داخل التجربة.. وأتمنى أن تتابعي

جمان

فاطمة يقول...

شكراً لأختي التي كانت أول من بادر بالتعليق، وجودك معي يقويني أرجو أن نتبادل حوارات تعين على جلاء الحقيقة باتزان وموضوعية وأمانة
بارك الله فيك وحماك

فاطمة يقول...

وإلى جمان: بارك الله فيك، أتمنى أن أقدم بعض الإنارة للجيل الشاب، فنحن بحاجة إلى مراجعة تاريخنا، وكل منا يمكن أن يضيف إلى الصورة الجزء الذي عاشه، على أن يكون ذلك بأقصى أمانة وموضوعية ممكنة..تابعيني

Ramoush يقول...

جزاك الله خيرا يا خالة فاطمة على هذا الإيضاح عن تجربتك مع الآنسة... و لعلي استمتعت بما كتبتيه من خواطر عفوية.و أعتقد بأنه يجب على كل شاب و شابة من هذا الجيل الإطلاع على حقائق و نوايا هكذا جلسات التي تعقد في أنحاء المعمورة و تتزايد بشكل مخيف كما يتزايد عدد الحاضرين إليها فأصبحت كالسم المدسوس .
كما تقول المقولة "دود الخل منو وفيه" فهم يبثون السم في الأنحاء... يا ترى يا خالة ما الحل برأيك و كيف يجب علينا تنبيه بنات جيلنا دون أن يكون منهن رد فعل قاس و مستنكر... و شكرا رموشة:)