**
الثلاثاء، ١٨ مايو ٢٠١٠
( 15) سامحيني يا أمي
**
الأربعاء، ١٢ مايو ٢٠١٠
( 14) زيارة لم تؤدّ الغرض منها
نَفِدَت الأناشيد، وانتهت الأغنيات، وتكرّر التهليل والصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم) وجربت الغناء من لم يسبق لها الغناء، بإلحاح من الرفيقات، وتجاوزت البنات نشوة الانتظار العذب، ولم تحضر الآنسة..
لقد مرت ساعة ونصف الساعة على موعد الدرس، زاد التلفّت بعد إطراق، والهمس بعد إنصات.. لقد تأخّرت الآنسة كثيرا..
ثم ظهرت صبيّة على باب الغرفة التي نفترش أرضها كلها، وأشارت إليّ وإلى فتاة في سنّي، عرفت بجمال الوجه والصوت الشجيّ، والتهذيب والتفوق في المدرسة، إلى جانب حرصها على حفظ سور القرآن الكريم.
خرجنا مبهورتَي الأنفاس، لمحنا الآنسة تقف أمام باب الدار ذات الطراز العربي، وتهمس لمن حولها.. أشير لنا بالاقتراب منها، لنخرج معاً..وكانت بانتظارنا سيارة، يدهشني أني لا أذكر هل كان يقودها رجل أم امرأة.. ركبنا مع الآنسة في تعجب وارتباك، دون أن يراودنا أدنى شك في أن لنا في هذه الرحلة من التميّز والاختيار فوق ما تتحمل أعصابنا الغضة، لقد تركت الآنسة بنات الدرس جميعا، ألغت درسها.. لترافقنا إلى مكان ما..
لم نتبادل كلمة، ولم تذكر الآنسة وُجهتنا، وكأنا- وهذا ما أحسّه اليوم- عنصران صالحان للتجنيد، وقد بدأت الإجراءات التي نعرف تلقائياً أنه لا يجوز السؤال عنها.
وصلنا إلى ساحة عرنوس، وقد عرفت ذلك فيما بعد، اتجهنا إلى بناء ما، لن أتعرفه اليوم، نزلنا قبواً تحت الأرض، فاجأتني خزانة أحذية كالتي توجد على أبواب المساجد، وكانت ملأى بتلك الأحذية الجادة الحزينة التي تفضلها القبيسيات، والتي لم أستطع انتعال غيرها بعد تركهن، أول ما لاحظته أن المكان بلا جدران، واسع تتناثر فيه الأعمدة التي فرش ما حولها بالسجاد، تركت معظم مساحة البيت متصلة، بدت مريحة للنظر والنفس( مبدئياً) وبخاصة أن المكان نظيف جداً، وهي خصيصة قبيسية عرفت بها كل المرافق التي تديرها القبيسيات.
على يمين الداخل، متأخراً عن سَمْت الباب، كان ثمّة بضعة حمامات، تذكّر بالمدارس.
كان المكان يعجّ بالبنات بلباسهن المعروف، واقفاتٍ وجالسات، يتهامسن ويتحادثن ويتنادَين، حتى برزت الآنسة منيرة من الجهة اليمنى لباب الدخول، وكنت رأيتها مرتين قبل ذلك، الأولى في جامع الروضة كما ذكرت في أولى الحلقات، والثانية في جامع قريب من بيتنا، يوم دعتنا الجارات في حماس لنرى ونسمع الآنسة منيرة، فذهبت، وراقبت بدهشة كيف تصل إلى مكانها بصعوبة على نشيد طلع البدر علينا، وكيف أن قدميها لا تكادان تمسّان الأرض من كثرة من حولها من النساء، وكيف تتصاعد لهفة النساء لرؤيتها وإلقاء التحية عليها، وتقبيل يدها..مشهد يذكرك بما تراه اليوم من تصرفات الشباب حين يرَون واحداً من المشاهير في الفن أو الرياضة.
بدت لي طويلة ضخمة نسبيا، في ثوب فضفاض سابغ، سمراء في عرفنا في تلك الأيام، تسابقت الفتيات نحوها، ينحنِين على يدها ليقبلْنَها، متصاغراتِ الحجم والهيئة، وهي تمسح رؤوسهن، تسأل وتؤنّب وتعلّق.
قربتني منها آنستي.. كان لابد أن أقبل يدها كالأخريات، رغم نفوري من هذا، لم يكن والداي حريصين على هذه العادة التي لا تزال شائعة حتى اليوم، لكنا كنا- معاشر الصغار- مضطرين لتقبيل عدد وافر من أيدي الأقارب رجالاً ونساء، هذا ما يقتضيه الأدب والتهذيب و( سماع كلام الكبار) وكم صدمَتْ أنفيَ كفٌّ تسارع إلى مساعدتي وأنا أرفعها إلى جبهتي..
أكاد لا أصدق أن هذا كان يحدث*..
وقبل أن أنحني، فوجئت بها- وكأنها أحسّت بتردّدي بفِراسة مخيفة- ترفع كفّي إلى فمها لتطبع قبلة لطيفة على باطنها وتحدق فيَّ بعينين واسعتين نفّاذتين، قائلة: نحن نقبل أياديكم آل فلان، وذكرت جدي لأمي.. الذي شهد له معاصروه وتلامذته حتى اليوم بالعلم والعمل، وكان أبي ممن طلب العلم الشرعي عنده في طفولته وفتوته، لكنه أكد مراراً أن جدي لم يخالف سنة يوماً، ولم يسلك أي سلوك مما يؤخذ على أهل الطرق الصوفية، رغم أنه كان محسوباً على الطريقة النقشبندية!!
كنا معاشر بنات الخالات والأخوال جميعاً، نقابَل من الجماعة بهذا الإكبار حتى لقد قالت إحدى الآنسات لإحدانا( زبالتكم آل فلان، بأكابرنا!!) فكل من ينتمي إلى عائلة جدي، لا بد أن يكون من الأكابر في التدين..وحسبنا الله ونعم الوكيل.
يحضرني الآن سؤال إبراهيم عليه السلام لربّ العزة، إذ قال تعالى" إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين" البقرة/ 124
***
***
يمكنني اليوم أن أقول أن المديح المبالغ فيه والتدليل والتفضيل، كان يسير في خط موازٍ للتوبيخ والتأنيب المبالغ فيهما أيضاً..وذلك بحسب الحالة والحاجة.. وقد نالت الجميلات النصيب الأوفر من المديح والتقريب، وبخاصة حين يكنّ من عائلات ذات نفوذ أو غنى، كان التمسك بهنّ حينها أشد.
أما أنا فقد كنت حفيدة الشيخ فلان، وبنت الأستاذ الجامعي فلان، الذي سيدرّس كل طالبة تقصد كلية الشريعة..وكان إقبالهن عليها كبيرا، كما كنَّ مجتهداتٍ متفوقات.
كان وجودي بينهن واستمراري أشبهَ بصكّ قبول وتأييد من الأستاذ المتميز المشهور، الذي لا يخفى أنه فكرياً على الأقل أقرب إلى خط( الإخوان المسلمون)، وبين الصوفية والإخوان خلافات تصل إلى العقيدة.. لكنها لم تمنع التزاوج والتمازج والتزاور ولو بحذر وحرص ومداراة.
كان تيار الحياة والمصالح وأواصر القربى أقوى.. وكانت القبيسيات هن الفائزات في معظم الأحيان..لأنهن تيار نسائي يدير البيوت كما يديرالرؤوس والقلوب. وللحديث صلة
___________
* لن أفوّت هذه الفرصة لأذكر أن الشيخ"علي الطنطاوي" رحمه الله، كان يقول لبناته( سمعت منهن حين قيّّض الله لي معرفتهن): من قبّلت منكنَّ يد أحد؛ أضربُها..كانت فكرة مذهلة، تجرّعت ما أشعرتني به من مرارة؛ برضا وسرور.
السبت، ٢٧ مارس ٢٠١٠
( 13) رحلة إلى البيت المدهش/ 2
( 12) رحلة إلى البيت المدهش/1
مع خيوط الصباح الأولى، توقفت أمام مدخل بيتي تلك الحافلة الصغيرة التي نسميها ميكرو باص، لتقلَّني مع رفيقات الدرس في رحلة نحو بلدة قريبة من دمشق، خضراء حسناء بأرضها وناسها( لعلها عين الفيجة، أو العين الخضراء)
كنت أشعر بالحماس والسرور، ففكرة مغادرة البيت والغياب عنه نهاراً كاملاً مغرية جداً لمراهقة تتهرب من أعمال المنزل، وتحب الثرثرة مع الصديقات، بل وتعتقد أن للصبيان نصيباً من الحرية لا يمكنها الحصول عليه، وبخاصة بعد أن غطت شعرها وسائر جسمها، ونبذت الألعاب الصبيانية التي كانت تشارك بها أخاها تحت السماء، بعيداً عن الجدران والأسقف..وقوانين الأمهات.
الحافلة صغيرة يقودها رجل قد يكون لإحدانا علاقة قرابة به، فأنت تفهمين بمرور الزمن أن الجماعة لديها شبكة علاقات ممتازة، تمكِّنها من تسيير وتيسير وتذليل عقبات كثيرة، قد تظهر في طريق النجاح والانتشار..
**
فوجئت كثيراً بل خفت من سماعي البنات يبدأن الإنشاد والغناء.. يا إلهي أليس هذا حراماً؟ هل يجوز أن يسمع السائق الغريب أصوات بنات محجبات.. قالت إحداهن ببساطة: غناء جماعي لا بأس..
ظللت مرتبكة، وازددت حيرة حين وافقت الآنسة بعد تمنع أن تغني، وقد ذكرت أن الله حباها بصوت نديّ مطرب، مع إتقان كنا نجده لا يضاهى.. قالت إحدى البنات الجريئات، وكانت في المرحلة الثانوية: أرجوك آنسة..ابدئي وسنغني معك..
كنا متجمِّعات حول الآنسة في المقعد الخلفي، لكن الحافلة كما ذكرت، صغيرة، وجعل البنات يكررن: السائق بعيد..سنغني معك، فاستجابت..
يحضرني هنا بيت الشاعر الأعمى بشار بن برد( ت: 168هـ):
ياقومُ أُذْني لبعض الحيّ عاشقةٌ= والأُذْن تعشقُ قبل العينِ أحيانا
لقد استُقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وصوله إلى المدينة بأغنية عذبة ما زلنا نردّدها حتى اليوم( ويُروى أنها كانت يوم عودة جيش المسلمين من تبوك) غناها الكبار والصغار، والنساء والرجال، فهل الحالتان متشابهتان؟
لا أجد سماع ترحيب بالنبي صلى الله عليه وسلم، تردده مئات الأصوات، يشبه غناء الآنسة، وحتى مجموعة بنات في ميكروباص، ومهما سمعت اليوم أن عالماً أو شيخاً يفتي بذلك، فسأظل أردد: لا بد من ضرورة، ليس صوت المرأة عورة، لكنها حين تغني، تصبح كمن زينت لباسها وجملته بما يلفت النظر إليه، فيكاد اللباس يفقد الغاية منه.
الخطأ واتباع الهوى سمة البشر، وقد يقع بنية طيبة، أو عن طمع برحمة الله، لكن الحكم يختلف حين نتحدث عن جماعة، وعن آنسة قدوة، لابد أن تأخذ نفسها بالأشدّ، لأن الأعين متعلقة بها، والأعناق مشرئبة إليها، وحين يتساهل القائد، فإن تساهل الأتباع يأتي أكبر وأكثر، والله أعلم.
الأربعاء، ٢٤ مارس ٢٠١٠
( 11) قيام ليلة القدر/ 2
إن الذين اتخذوا التصوف طريقة تديُّن وتقرُّب إلى الله؛ سيجدون في كلامي تبسيطاً وجهلاً، لأن لديهم- كما يعتقدون- ما يسوّغون به هذا الأسلوب في الذكر والتقرب إلى الله، لكن ما أعرفه ويعرفه كل مسلم يعود إلى الحديث الصحيح؛ أنه لا يجوز الابتداع في العبادات، وأن الإخلاص في العبادة، سواء كانت شعائرَ أو أفعالاً عادية، يقتضي كثيراً من التحوُّط والتخفّي خوفاً من الرياء..
**
أما عن تلك الركَعات المئة، فلا أصل لها في صحيح السنة، وقد يزعم البعض أنها بدعة حسنة، والردُّ هو نفسه، أن التقرب إلى الله لا يكون إلا وِفق ما شرعه سبحانه وتعالى، والصلاة كتاب موقوت، فلمَ أصلي قضاء خمسة أيام بحجة أني ربما لم أؤد بعض صلواتي على الصورة المطلوبة، وأنها لم تقبل مني؟ أليس في الأمر تنطع وافتراض لاضرورة له؟
ليس لنا، وليس علينا أن نفعل ما لم يفعله محمد صلى الله عليه وسلم، بأية حجة. إن صلاته في الليل معروفة موصوفة بالحديث الصحيح، وباب الخير واسع مفتوح أمام كل منا، نسعى إلى الأجر والثواب، دون أن نخترع ونضيف، حتى لو فعل ذلك ناس في القديم، ووُجد من يقرُّهم عليه..ما الداعي؟ ما الحاجة؟ أليست أسئلة ساذجة.. هل سنزيد أو نزاود على عبادة رسول الله؟
إنما يكون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، في أن تكون وراءه، تفعل ما يفعل، وتمشي حيث يمشي وتتجه حيث يتجه..لا تسابقه، ولا تحاذيه. صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
**
تخللت الصلوات أيضاً مواعظُ من الآنسة، لا تختلف عن غيرها، في خلط الجِد بالهزْل، والتوبيخ بالتخويف.
لكن قراءة الآنسة( ليست آنستي) للقرآن أثناء الصلوات، كثرت فيها أخطاء أدهشتني، وقد شاركتني الرأي فيما بعد قريبتي، بعد أن ذكرت من فضل الآنسة ونقائها ومنزلتها عند الآنسة منيرة.
**
أما الحادثة التي لا أنساها، والتي افتتحت بها ليلتنا، فهي أن إحدى البنات، وكانت صبية مجتهدة متفوقة، فاجأتها دورتها الشهرية، فأصيبت بحالة تشبه الهستيريا، وجعلت تبكي وتنتحب، وتردد أن الله تعالى غير راض عنها، وأنه لا يريدها في القائمين بين يديه.
جلست الآنسة( أو إحدى المريدات الأكبر سناً) على الأرض، ووضعت رأس البُنيَّة في حِجرها، وجعلت تمسح شعرها، وتهدئ خاطرها وقتاً غير قليل، والبنت تنتحب وتتحسر على نفسها. وهي على الأغلب بقيت معنا تذكر وتستغفر..ولعل ما حصل معها ناجم عن قرب عهدها بالبلوغ، فلم تنتظم دورتها بعد.
بقينا حتى طلوع الشمس، وكان ثمة، بالطبع، سحور لطيف فيه الإكرام والبساطة، ولا أذكر أني دعيت إلى حضور قيام مرة أخرى.
الاثنين، ٢٢ مارس ٢٠١٠
( 10) قيام ليلة القدر/ 1
دعتني صبية من القريبات لحضور قيام ليلة القدر، وكان معظم الناس يعتقدون في تلك الحقبة أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، فحسب، ولم تكن مسألة تحرّي الحديث الصحيح بذلك الشيوع الذي نجده اليوم.. بل إن الأخذ بالضعيف من الحديث كان مسوَّغاً بصورة مبالَغ فيها بدعوى الترغيب والترهيب، مع أن لهذا الأخذ بالضعيف شروطَه، ومن جهتي لا أجد له مسوِّغاً مادام بين أيدينا قرآن يتلى، وحديث صحيح.. ولا أدري لم نكون بعد ذلك في حاجة إلى حديث ضعيف لنرغب ونرهب.
أدخلوني غرفة فسيحة نسبياً، أضواؤها خافتة، تنبعث منها روائح طيبة، لعل أوضحها رائحة النظافة، ولهؤلاء الصبايا في مسائل النظافة والطهارة تشدد يفوق قوانين الفقه.
هذه النظافة الفائقة تؤثر على حواسّ المتعبد ولا شك، وتضفي جواً من الطمأنينة والسرور.
كانت أرض الغرفة مغطاة بسجادات الصلاة مع أغطية لمن أرادت، ومسابحَ.. لم يكن هنالك مقاعدُ وكأن الغرفة فُرِّغت من أثاثها من أجل القيام..
كان علينا أن نصليَ، تؤمُّنا الآنسة، فروض خمسة أيام، مجموعها مئة ركعة، بمعنى أنك تصلين صلاة الفجر خمس مرات، وصلاة الظهر خمس مرات..إلى العشاء، يضاف إليها الوتر حتى تصبح مائة..
يتخلل ذلك الذكر الجماعي مثل تكرار عبارة لا إله إلا الله، والصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم) وربما الإنشاد والغناء.
وقد يقام الذكر وقوفاً، وله أناشيدُ معينة ذات نغَمات متصاعدة، لا تخلو عباراتها مما لا يليق بذكر الله تعالى من مثل قولهم:
صاحِ دعني في سكري= واعذر فالهوى عذري
أنا ليس في سرّي إلا الله= آه آه بسم الله
وهذه القصيدة تبدأ بقولهم:
أنت نسخة الأكوان= فيك صورة الرحمن
فاجمع سور القرآن بسم الله= آه آه بسم الله
صدقوني لا أفهمها جيداً حتى اليوم..هل لكل عبارة معنى، أم فيها رصف كلمات للضرورة..وهل محمد صلى الله عليه وسلم هو نسخة الأكوان، وما معنى أن يكون نسخة الأكوان..
ولما سمعت مني إحداهن بعد مدة كلمات تلك القصيدة قالت: ماهذا؟ هذه ليست من مستواك..ولم أفهم..كنت أحب اللحن فحسب وأحاول التغابي عن المعاني التي تؤرقني، وتبعث في نفسي الكثير من التساؤلات.
**
حين نهضت البنات بإشارة من الآنسة، وتحلقن في دائرة كبيرة..ودعونني للانضمام إليهن والإمساك بيدي الزميلات؛ اضطربت وارتبكت، ووجدت نفسي أفلت يديَّ، لم أستطع مجاراتَهن رغم كل ما أظنه في نفسي من خجل ومسايرة ومطاوعة.. لم أستوعب ولم أتفهم كيف يذكر الله هكذا، وكيف يكون لي الأجر العميم وأنا أقف مستعرضة خشوعي وانسجامي..
لم يلحَّ علي أحد، وجلست على كرسي في زاوية الغرفة، أرقب الأجسام المتمايلة يميناً شمالاً، أمامَ وراء، في انسجام يشبه رقصة جماعية محتشمة ناجحة الإعداد والإخراج والتدريب، وأرقب الوجوه التي ترسم تعابير الوله والوجد والتوق إلى رضا الله أو لقائه أو الفناء فيه..والله أعلم.
وأنا أجزم أن أي إنسان من لحم ودم وأعصاب، لو كان في هذا الموقف لانغمس فيه، وانتقلت إليه عدوى الطرب والانتشاء، ولربما بكى وأغمي عليه، وهذا ما نراه في الحفلات الغنائية من الشباب والشابات.. إن الشعور الجمعي أشبه بتيار كهربائي يسري في الجميع..كما أن الإيقاع المنتظم لضربات الدف أو المزهر التي ترافق هذه الطريقة في الذكر التي تسمى( الحضرة) حين تتخذ طابعاً أكثر جدية، وتكون مقصودة لذاتها، يساعد على تحقيق الانسجام بين ال( ذاكرات!) وال( ذاكرين!) وبالتالي يوحد مشاعرهم وربما أفكارهم.
السبت، ٦ مارس ٢٠١٠
( 9) دمعتان على تنورة الآنسة
الأحد، ٩ نوفمبر ٢٠٠٨
(8) درس في الحبّ لم أفهمه
بقيت فترة تحدثني عن الآنسة فلانة، التي كانت صبية مترفة تقود السيارة وتذهب إلى المسابح، وتلبس الملابس المكشوفة، بل تعتمِر أحياناً قبعة تواكب الأزياء السائدة.. ثم هداها الله على يد الآنسة منيرة، فكانت تعبر عن ذلك مزاحاً قائلة: تحولت قبعتي إلى حجاب.
الآنسة فلانة كانت جريئة جهيرة الصوت، شقراءَ بضة ناعمة، بعينين زرقاوين، وأيُّ جمال ينافس أو يضارع زرقة العينين في الشام؟
يوماً بعد يوم كان قريبتي تكرر: أحب الآنسة فلانة، ليس بيدي.. أحبها.. تغمض عينيها وكأنها تتأملها بشغف، تخرج من صدرها الغضّ البريء تنهيدة: صوتها حلو، كلها حلوة..
كنت أسخر منها أحياناً: أنت تحبين شكلها.. شيء مضحك! فتقسم أن ليس هذا هوالسبب، إنها تحبها، وتودّ الانتقال إلى درسها.
لم تكن آنستي شقراء، ولا حسناء.. لكني كنت معجبة بصوتها النديّ وحديثها اللطيف جداً إذا ما قورن بغيرها( وقد كثرت الآن لقاءاتي العابرة بآنسات أخر، في بيوت العائلة والأصدقاء والمعارف) لم يخطر لي يوماً أني أحبها أو أكرهها، ربما كنت أحبها، لكنْ حبَّ التلميذة المعجبة بمعلمتها، كنت أعتقد أنها تقدم لي عوناً عظيماً رائعاً، وتَمدُّني بالكثير من القوة أقارع بها نفسي وشيطاني..
على نحو ما وجدت كلام القريبة المحبوبة التي كم أغبطها على جرأتها ومهارتها في الحياة، رغم أنها تركت المدرسة مبكرة..وجدته معيباً، ولا معنى له: المهم هو الدرس لا الآنسة..
لم يمض وقت طويل، حتى أعلنت الفتاة المغرمة، أنها كلمت أختها، وأن أختها كلمت آنسة ما أكبر( منزلة طبعاً) وسمح لقريبتي بالانتقال إلى حلْقة الآنسة فلانة..
أفهمتني صديقتي الصغيرة هذه، ومن بعدها قريبتنا الأكبر، أن الحب عامل مهم في التلقي، ومن تحبّ الآنسة تستفد أكثر.. تنازعتني مشاعرُ من عتب ولوم، ومن فخر واعتداد: لا يمكن أن أحبّ آنستي إلى هذا الحد.. أنا راضية بها، لكن لا أحسّ نحوها بما تصفه البنات.. هذا الحب لا تستحقّه سوى الأمهات!!
كان يدهشني كيف تتحدث البنات عن الآنسات: يصفنَ حركاتِهن وسكناتهن وعباراتهن البسيطة التي قد تكون نوعاً من الشتم أو النقد أو التذكير القاسي..
كان يدهشني كيف يستغرقن في وصف تفاصيلَ دقيقةٍ تتعلق بملابس الآنسة( ألا حظت كيف بدا كفها مع كمّ القميص من تحت كم المعطف) وتحركات الآنسة( لمحتها بدون حجاب فجرت وغطت رأسها بكفيها وهي تصيح بنا: لا تنظرن إليّ.ياه..!) وكلمات الآنسة التي غالباً ما تكون تقريعاً وتوبيخاً يختلط فيه الجد بالهزل، من مثل: روحي ارمي نفسك في الزبالة أو: ناقض عليك( يعني متراجعة روحياً) ..على العكس منها: فارق عنك!
لكني كنت أقع تحت تأثير الصحبة في بعض الأحيان، فأكرر اتهامي لنفسي بأني بنت قاسية القلب، وأني لو استطعت أن أحبّ لربما كان سلوكي أفضل..
لعلي كنت أتجنب من حيث لا أدري أن تُمَسَّ( ست نفوس) إذا كنتم تذكرون وصف أمي لي، أتجنب أن أضطر لتقديم خدمة ما دون رغبة مني، وقد رأيت مرة في نهاية درس من الدروس إحدى الرفيقات تسبق الآنسة إلى حذائها، لتحضره وتضعه أمامها، لعل الآنسة( ولست متأكدة) أبدت نوعاً من الممانعة، لكني شعرت باستنكار شديد، وتمنيت أن الآنسة سخطت وحذّرت من تكرار الأمر.
ربما يجب أن أختم كلامي بالإشارة إلى أني سمعت عن كثير من الخدمات تقدم للآنسات، تشمل حتى تنظيف البيوت والأطفال، وأن ذلك يحصل امتثالاً للآنسة منيرة ذاتها التي تريد أن تتفرغ فلانة( وهي على الأغلب سيدة حسناء من عائلات دمشق العريقة ذات المال والنفوذ المعنويّ على الأقل) للتدريس والنشاطات الدعوية، ولعل من نقلت إلي هذه الأخبار رأت على وجهي بعض علامات الدهشة أو الإنكار فأضافت: لم لا، إنها ناجحة في التدريس وتحبب البنات بالدين والحجاب.
والحجاب هو نهاية المطاف وهو الغاية الكبرى.. فما أن تتحجب البنت حتى تنال شهادة الإيمان والاستقامة والصدق.
ولعل الواحد منا وقد مرّ بشعبنا وأمتنا ما مرّ حتى اليوم؛ ليدركَ أيَّ فقاعة كاذبة كنا نتدحرج في داخلها، ونحن نرقب تكاثر عدد المحجبات.. ونعيش ذلك التصاعد المفزع المحزن في وتيرة التخلف السياسي( وعلى رأسه خنق الحريات) والاجتماعي والاقتصادي والتربوي..ممهِّداً أو مقترناً بهزائمَ متنوعةٍ موجعة على كل صعيد.
كيف؟
الأربعاء، ١٧ سبتمبر ٢٠٠٨
( 7) وذلك الجسم
إن من أبرز أساليب القمع أن يكون جسم البنت ومظهرها آخر ما تفكر فيه!!
الجسم حي، يمكن أن يخضع للهوى والنفس، كما يمكن أن يستجيب لنداءات الروح.
الجسم( كما تعلمت بعد زمن) يستحق الرعاية والعناية، لأنه مطيتك( دابتك فعلا) إلى الطاعات كما يقول ابن الجوزي.. الجسم يؤخذ بالحكمة والمسايرة أحياناً، وبالحزم والزجر أحياناً. لا بد من الأسلوبين، لا بد من اتباع سنة المبعوث رحمة للعالمين.
لكن الأمر يختلف عندما تسلك طريقاً نحو التصوف، أو ما يشبهه :
فيمايتعلق بالعناية الشخصية، فقد بدا لي واضحاً من مخالطة القريبات والزميلات أن بعض شؤون التنظيف والتجميل التي تألفها مجتمعات النساء، صارت أمراً شبه منكر..
لقد شعرت أحياناً ببعض العطف والحزن لما آلت إليه حال بعض الشابات اللواتي كن مهتمات لمظهرهن وجمالهن، قبل أن يصبحن قبيسيات!!
وسيمضي وقت غير قصير، قبل أن أسعى إلى معرفة الفرق بين ما فرضته الدروس.. وما فرضه الله، بين ما منعته الدروس، وما حرمه الله تعالى، في دين يهذّب الفطرة ولا يحاربها، يدعو إلى الحياة الطبيعية دون شطط، ولا غفلة.
يفضل أن تلبسي قميصاً قطنياً بكم قصير تحت ملابسك صيفاً شتاء ربيعاً خريفاً.. يكمله سراويل* قطنيّ أيضاً يقبض على ما تحت الركية بمطاط..
بذلك تضيع معالم جسم الأنثى، حتى في بيتها، وتقنع نفسها( أو توهمها) بأنها لا تفكر بأنوثتها، وأنه لا أحد سيهتم بها بعد.
من هنا يفترض فيها ألا تشغل نفسها بمسألة الزواج، بل إن هذه الفكرة تقلقها وتجعلها تتساءل كيف يمكن التوفيق بين طاعة الله والتبتل له، وبين أن تصبح زوجة، عليها كل واجبات الزوجة..
الحياة الحقيقية مغيَّبة تماماً عن الدروس، كلُّ الذين تضرب بهم الأمثال: هجروا الدنيا، تعرضوا للمهانة والازدراء، جاعوا وتشردوا هاموا على وجوههم يجرون أجساماً أثقلتها آثام فظيعة لايدرون كيف ومتى يكفّرون عنها.....
سبحان الله!
وكأنك أيها الإنسان خلقت لتهجر الدنيا، متفرغاً للبكاء على خطاياك، لتأديب نفسك إن لم يكن تعذيبها!! فلا يتبقى لديك أي وقت لتكون خليفة الله في أرضه، فتعمرها وتنشر فيها رسالة الخير، قائماً على الحق في مواجهة الباطل.
استطراد أجده مفيداً:
وعندما يتجاهل الآباء والمربون حاجات الجسم وتطوراته الطبيعية، وينظرون إليها باستقذار كَنَسي، ولا يسمحون بالخوض فيها معهم أو أمامهم، يظنون أن الأمور تسير وفق ما يشتهون، وأن الأبناء لن يبحثوا عن مصادر أخرى تعلمهم أو ترد على تساؤلاتهم أو تفسر مشاعرهم وتوجهها، ولقد اطلعت بعد زمن طويل جدا، بعد الزواج والإنجاب، على عدد من مجلة( طبيبك)، فوجدت أني كنت بحاجة ماسة إليها في وقت من الأوقات، وأنها لو تجنبت المبالغة والتفصيل المثير أحياناً، لربما أعانت بعض البيوت.
وإن كان لنا- معاشر المسلمين- في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته المبينة لكتاب الله تعالى؛ لغنى في شؤون الدنيا والآخرة، لو صدقنا في قراءتها واستنطاقها.
***
لم يطل بي الأمر حتى اتخذت للخروج معطفاً واسعاً، يغطي جزءاً من الساقين، مثل كثير من رفيقات الدرس، لكني شعرت بالحنق والحرج من مظهري.
*الجسم في اللغة، غير الجسد، الجسد هو المكوِّن المادي، أو البدن دون روح، قال تعالى في وصف المرسلين "وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين" الأنبياء/ 8 وقال تعالى: " واتخذ قوم موسى من حليّهم عجلاً جسداً له خوار.." الأعراف 148 – أما الجسم فهو البدن الحي، وفي وصف طالوت قال تعالى" وزاده بسطة في العلم والجسم" البقرة/ 247
* السراويل للواحد هي الصواب، والجمع سراويلات( انظر المعجم الوسيط: سرول). وإن كان الشائع: سروال، مع جمعه على سراويل.
الخميس، ٤ سبتمبر ٢٠٠٨
(6) ونفسٍ وما سوّاها
ذلك أن الإرث الصوفي، الذي يضرب بجذوره إلى أيام المماليك، ومن بعدهم العثمانيون، هو الأقوى والأكثر شيوعاً في الشام، حيث دفن محيي الدين بن عربي( وقد بنى المسجد على قبره السلطان العثماني سليم الأول) الذي صار قبره مقصد الحزانى المبتلين، والخائفين الراغبين، يتبركون بزيارته وينذرون له النذور، وهو الرجل الذي يدل ظاهر كلامه على عقيدة وحدة الوجود* الكفرية، لكن الرافضين لتكفيره يقولون: إن الكلام الموجود في كتبه كفر
ومن هنا كانت الحرب الشعواء على النفس ومطالب النفس وهوى النفس؛ ثقافةً شائعة رسخت لدينا الميل إلى احتقار الذات والسعي إلى سحقها وإذلالها
لم يكن الفرق واضحاً أبداً ولا مطروحاً ما بين النفس اللوامة، وبين ذلك الشعور الثقيل الذي يربك فكرة الاعتزاز بكونك مسلمة
لم أسمع في درسي يوماً تلك العبارة الشهيرة لعمر رضي الله عنه: لا تُمِت علينا ديننا.. على العكس كان التماوت والاستكانة والتحسر؛ هو السائد في الدروس وفي المجالس، سواء
هذه النفس أمّارة بالسوء، تحركها الأهواء والشهوات، ولا بد من كبحها وصولاً إلى قهرها.
الأفكار يجب أن تراقب، المشاعر تحت المراقبة، ويجب أن نسيطر عليها بحزم وقسوة..
***
لذلك كان ثمة صلوات كثيرة مطلوبة، عدا الفريضة: صلاة الضحى( يستحسن أن تصل إلى اثنتي عشرة ركعة) وصلاة الرغائب( لها توقيتها من شهر رجب وأصولها)، وصلاة التسابيح(ولها أصولها أيضاً)، ثمة
قيام الليل بالطبع، لكن له طقوسه وأصوله
وقد سبق الحديث عن حفظ القرآن، وكيف أنه كان شيئاً بدهياً، أكاد أجزم أنه صارف عن الغاية من هذا الكتاب المعجز، الذي يحمل رسالة الإسلام، طالما أنه يتمّ بسرعة ودون أن يرافقه ولو حد أدنى من الإلمام بموضوعات السورة أو أسباب نزولها.. أبدا.. الكمّ هو الفيصل، كلما حفظت أكثر، فأنت أفضل.
يجب أن تكون لك أذكار وتسبيحات يومية صباحية ومسائية( بالألوف)، ولقد حاولت تقليد إحدى قريباتي في ذكرها حين تضع على رأسها شرشفاً كبيراً يؤمن لها الظلمة، ومعها سبحتها، ثم تبدأ الذكر، وإذا بها بعد دقائق تبدأ تهتز .. وصوت حبات السبحة يتتابع بصورة أسرع.
كأن الأمر أعجبني، واعتقدت أني سأكون بنتاً صالحة لو استطعت الوصول إلى هذه الحال، فلما جربت ذلك مرة أو مرتين وجدت أن اهتزازي ليس ناشئاً عن خشوع أو حالة ما! بل يعود إلى نشدان السرعة وقد ألِف الذهن عبارة التسبيح أو الاستغفار، واللسان يريد التجاوب مع سرعة الذهن، فلا ينجح تماماً، فلايجد أمامه إلا الاستنجاد بحركة الجسم الذي يستجيب باهتزازات متقاربة قوية.. وكأنه يساعد اللسان على الإسراع
كيف تكون العبادة مربكة معقدة هكذا..
***
أنا بنت رديئة كسولٌ مزاجية!! وسأعيش هذا الصراع الجاهل طويلاً.. بانتصارات نادرة.. وهزائم متكررة.
_________________
*وحدة الوجود: عقيدة تقول بأن الله والطبيعة واحد، وكل صورة في الكون إنما تعبر عن الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا. وانظر
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/87.htm
الأحد، ٣١ أغسطس ٢٠٠٨
( 5) محاولة للحديث في المضمون
كنت أحفظ في البيت وحدي، تارة أحدد لنفسي قدْراً من الآيات ولا ألتزم بها، تارة أندفع بهمة أكبرَ، ثم أتباطأ وأتكاسل، وبين الحين والآخر كنت أجد من تسمع مني قبل حضور الآنسة، ولعله كان يُخصّصُ وقتٌ لذلك أحياناً
كنا نحفظ دون تفكير، لا أدري كيف تضبط قراءة الرفيقات قبل الحفظ، كنت أحصل على الرضا لأني أحفظ بصورة صحيحة، خاليةٍ بالطبع من أحكام التجويد، إلا ما تعلمته في الابتدائية، أو التقطته في البيت..
كانت ساعاتٍ مميزة، تلك التي أمسك فيها بالمصحف الصغير، ثم أدور في فِناء المنزل، أو أنتقل من غرفة إلى أخرى، أو أمكث قليلاً في غرفة خالية
لم يكن ثمةَ موعد نهائيّ للحفظ في تلك الأيام، سمعت أن بيننا حافظةٌ أو اثنتين لكنهما أكبرُ مني، ومن المشاهد التي أذكرها بوضوح، مشهدُ صبيةٍ دافئة النظرة تجلس تجاهي، تسند رأسها إلى كفها، وتهزّه رضاً وإعجاباً وهي تسمع مني ما حفظت.. وكم كان سروري بإعجابها بقراءتي الصحيحة، وأحكام النون الساكنة والتنوين التي أتقنتها( لعلي) لكن لم أتعلم غيرها بعدُ..هذه الصبية ستنقل للآنسة رأيَها في حفظي أو تبلغُها بمقدار ما حفظت
في أواخر أيامي تلك، انتابني حماس كبير مرة فنمت في بيت ابنة خالتي، لننهض معاً للحفظ بعد صلاة الفجر..خرجنا إلى الشرفة العريضة نذرعها جيئة وذهاباً، نحفظ ونراجع، على حال من البهجة الصافية البريئة
ومن النظرات وبعض الكلمات الشائعة التي تخفق لها قلوب الصغيرات( يا حبيبة قلبي، ما شاء الله حولها..الله يرضى عليك..مثلاً) كنت أعرف أني سائرة على السكة المطلوبة
وكان محبَّذاً أن نقرأ ما حفظنا في الصلاة، كنت أحاول، لكن هذا يطيل الصلاة وأنا فتاة مشغولة الذهن دائماً بمشاريعَ تتوالدُ باستمرار، أهمُّها العودة إلى قصة أقرؤها، أو واجبٍ مدرسيّ لا يخلو من تحدٍّ
وماذا غير حفظ القرآن؟
أذكر أنا مرة فسرنا شيئاً من سورة النور.. تحمّست وصرت أقرأ في أحد التفاسير قبل ذهابي، لكن التفسير لم يستمر، لم ننهِ السورة، ولا شك أن الغاية منها كانت آياتِ الحجاب
هل كُلفنا بقراءة كتب أو موضوعات معينة؟
أبداً( حدث ذلك في فترات لاحقة بعد انسحابي، لكني لم ألمس له تغييراً
في أساليب التفكير والتعامل) مرة واحدة وزع علينا أو اشترينا كتيباً صغيراً في الفقه الشافعي( متن الغاية والتقريب) لأبي شجاع، شرحت الآنسة قدراً من باب الطهارة، ولا زلت أذكر حتى اليوم كيف استفاضت في شرح الخارج من السبيلين، وأتت على احتمالات لم تكن تخطر لي على بال.. وكم كتمنا ضحكاتِنا المتظاهرةَ بالاستهجان.. ثم امتحنتنا فيما درسناه من مسائل الطهارة..
فعمَّ إذن كان يدور الدرس؟
الحق أني مذ بدأت هذه الحلقات شغلني هذا السؤال، وهو سؤال صعب.. فحين تقضين ساعتين إلى ثلاث ساعات في الأسبوع في درس، ليس فيه إلا الوعظ والتأنيب والتخويف أو التغزل بصفات محمد صلى الله عليه وسلم وسيلة للتحبيب به، وحكايات الصالحين، دون مناقشة أفكار أو مفاهيم محددة، تصبح القصص هي الفكرة والدليل والشاهد معا.
حتى من السيرة الشريفة، كنا نتعرض فقط لما يتعلق بحب الصحابة لنبيهم، كموقف أبي بكر رضي الله عنه يوم الهجرة، وكانت الآنسة تتفنّن في رسم الصورة الذهنية بكلماتها وتنجح في هذا..ولم يكن يطلب إلينا العودةُ إلى كتب السيرة، ولا غيرها من قصص الصحابة والشهداء مثلا.. ولا أذكر أنه مر أمامي يوماً ذكرُ خالد بن الوليد، أو موقف قوةٍ لعمر رضي الله عنهما..أو حتى عن برّ الوالدين، لعل الأمور اختلفت قليلاً اليوم، لكن ( أنت تحصل على ما تراه) كما يقولون بالإنجليزية، خط الجماعة( وإن كنت أفضّل مصطلح التنظيم) لا زال كما هو، وإلا فأين التغيير الحقيقي في المجتمع؟
إن الأمهات هن عماد التأثير والتغيير في الأمم، ولقد كانت القبيسيات ولا زلن هن المرشحات أكثر من أي شريحة في المجتمع السوري المحافظ للاقتران بالشاب المتدين، حتى
إن الشاب من أي جماعة حتى ( الإخوان المسلمون) لم يكن يجد إلا القبيسية زوجة تصلح له، إذا قارنها بالسافرة أو المحافظة دون التزام، حتى كثر ذلك بصورة لافتة، وصار موضوع تندُّر، ولا زال مستمراً إلى يومنا هذا، ذلك أن تغطية الرأس والجسم هي مقياس التدين الوحيد تقريباً في مجتمعاتنا حتى اليوم، وإن من المشهور المعروف أن القبيسية نادراً ما تتحول عن طريقها، وقد تؤثِر جماعتَها على زوجها وبيتها، الذي يتحول تلقائياً إلى بيت للتنظيم، تُعقد فيه الدروس والموالد ومجالس الذكر الجماعي المسماة( حضرات)، ومن هنا كانت أمام القبيسيات فرصة كبيرة لإنشاء أجيال مسلمة أبية قوية تسعى إلى النهوض بالمجتمع نحو الحرية والعدالة والاستقامة والعزة الإيمانية.. أما ما نراه حتى اليوم فهو نوع من التكيف، أو التصالح مع ما تمليه الدولة بما يضمن لهن الاستمرار في نشاطهن( آخر ما سمعته أن الأناشيد الدينية/ على ما فيها/ منعت في صالات الأفراح التي تملكها القبيسيات في دمشق ويشرفن عليها، فرضين بالأغاني الشائعة التي يفترض ألا يسمعها المسلم حتى لو كان يبيح لنفسه شيئاً من السماع المنضبط) بل إني لأجتهد بأنهن كنّ خير عون بقصد أو بغير قصد، للحكم الذي يستمد مرجعيته العقدية والأخلاقية!! والسلوكية من حزب البعث( العربي الاشتراكي!) .. الغني عن التعريف، والذي يحكم سورية منذ سنة 1963
***
أصغي، أصغي، أصغي..لا تسألي ولا تتساءلي فليس هذا من شيم من تريد الارتقاء، أحبي الآنسة، ابكي صلّي، صومي، ومن الليل قومي، أقنعي بنتاً بالحضور معك.. البسي المطلوب، احضري الموالد واحتفالات ختم القرآن وحجاب فلانة وعرس أخرى، وولادة ثالثة( فهناك تجدين الآنسة)..اذهبي إلى المدرسة الفلانية لتساعدي في تنظيفها، اذهبي إلى بيت الآنسة فلانة لتساعديها في بيتها وأطفالها لأن عليها مَهمّات جِساماً..
هل هذا هو كل الإسلام؟ وماذا بعد؟ أسئلة لن تَجِدي من يطرحُها علانية هنا...
الثلاثاء، ٢٦ أغسطس ٢٠٠٨
( 4) بدايات
بين مدرّسينا رجال: مدرس للديانة , وآخرُ للرياضيات، كنا متوتّرات كثيراً أولَ الأمر، ولم نستطع كتمانَ اهتمامِنا وانشغالنا بهما
ومن أشقِّ ما جدَّ علينا أنّا بدأنا- نحنُ المحجباتِ- نشعر أنا غيرُمرغوبٍ فينا، وأن حجابَنا مصدرُ ضيق وحنَق لكثيرين وكثيرات، ونحن في حيّ الميدان المشهور بأنه حيّ محافظ
درس الرياضة بالذات غدا مشكلة كبيرة، نقف للعب في الساحة التي يعبُرُها أذَنَةٌ ومعلّمون ومُراجعون، المعلمة متضايقة من تغطيتنا رؤوسَنا، ومن التنورة فوق البنطال، والأعجبُ والأكثر قَهراً:كيف تقرِّب منها الحسناواتِ وتُعفيهن أحياناً من الاختبار
وكنت أخرج بالزيِّ المدرسيّ الأزرق ذي القطعتين، فوق قميصٍ أبيضَ..أحببت هذا الزيَّ مذ كنت في الابتدائية، وانتظرت ارتداءه بلهفة، لبسته مع جَوربين أبيضين أو كحليَّين طويلين ينتميان إلى أزياء الطفولة، أو بنطال كحلي يعطيني المزيدَ من الحرية في الحركة، وبخاصة أني كنت أستقلُّ الباص غالباً إلى المدرسة
أما في الدرس فمعظمُ البنات، يرتدين معاطفَ طويلةً عريضة، بألوان مختلفة، تتجاوز الركبيتين قليلاً أو كثيراً، غير أنها حتماً لا تغطّي الساق كلها، وجواربَ سميكة( جدا) ولا ينتعلن إلا أحذيةً بسيطة
كذلك كانت آنستي..لكنها لا تلبسُ إلا اللون الكحليّ
ومصطلحُ الآنسة في سورية يُطلَق على كل معلمة، في المدرسة وخارجَ المدرسة، مهما يكنْ عمرُها، أو عدد أولادها.. لكن آنساتِ الدرس الديني كنَّ غالباً غيرَ متزوجات.. تبتَّلن للدعوة اقتداءً بالآنسة المؤسسة منيرة قبيسي، وبخاصة هذا الرعيلُ الأول الذي اختارته وشكّلته في بداية انطلاقتها
كانت آنستي منهن، وإن كانت يومَ عرفتُها شابةً صغيرة لم تتخرج بعدُ من كلية الشريعة، لكنها لم تتزوج أبداً
***
كنت متحمسة جداً للذهاب، بين أولئك البناتِ الطيبات لن أفكرَ في شكلي، شعري سيظلُّ مغطّى، لا أحد سيهتمّ بتناسق ملابسي وجِدَّتِها.. همّ الجميع واحد: أن يتعلَّمن حبَّ اللهِ ورسوله وطاعتَهما
أخذت معي دفتراً وقلماً.. دون أن يطلبَ إليّ أحد..وكنت أُعتبر في تلك الأيام بنتاً مجتهدة مطيعة حريصةً على التعلم
وكنت أعرف قواعد الدرس، لم يذكرها أحدٌ صراحة، ولم تُملَ عليّ.. لكنها تسري في الأجواء دون كلام، وتشكّل وعي( أولا وعي) كلِّ بنتٍ تنضمُّ إلى الجماعة، من ذلك مثلاً
أنك يجب أن تَصِلي قبل الآنسة، ستشعرين بالحرج الشديد لو وصلت بعدها
لا أحدَ يجلسُ إلا على الأرض، ثمةَ أريكةٌ أخرى، لكنْ كما تلاحظين كلُّهن على الأرض، أحياناً تحضُر بنت جديدةٌ غيرُ محجبة فنجلسُها عليها
الآنسة يحق لها أن تتأخر، ساعةً أو تزيد.. لا أحدَ يسألُ لا أحد يُبدي استغراباً
وإلى أن تحضرَ الآنسة ثمةَ ما نُمضي به الوقت.. يمكنُ أن نسمّعَ القرآن.. لكن يغلبُ أن ننشدَ ونذكر الله معاً! وفي الذكر صلاةٌ على النبي مغنّاة معروفة.. لا يخلو منها مجلسُ ذكر حتى في الإذاعة عندما تُنقل صلاةُ الجمعة أو فترة السحور.. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله، ثم نعيد الصلاة لكن على أسعدنا، ثم سندنا، ثم نور الهدى.. بحيث يرتفع الصوت بنغمة معينة لدى تبديل المفردات تلك، مانحاً شعوراً بهيجاً مريحاً لا يمكن تفسيره لدى بنت في الثالثة عشرة
ثَمّةَ الكثيرُ من الأناشيد بالفصحى، ثمة أغانٍ بالعامية، اكتشفتُ بعد عقد من السنوات أنها تشبه أو تطابق أغانيَ لصباح فخري، المغني الحلبيّ المعروف، ذي الحَنجَرة الجبارة
في أحيان قليلة يُطلب إلى بنت صوتُها شِبه جميل( فبعدَ صوت الآنسة نجد أنه لا صوتَ جميل، وكان هذا حقيقياً في حالة آنستي) أن تنشد، فنستمع ونثني خيراً
تحضر الآنسة.. تنهض البنات بحماس والسرور يملأ وجوهَهن، تنكبُّ بعضهن على يدها فتقبلُها، يُفسحن لها الطريق إلى مكانها.. ثم يجلسن، السعيدةُ من كانت الأسبق، وجلست أقربَ إلى الآنسة، بالتحديد: قربَ قدميها
لا أحدَ يسألُ أثناءَ الدرس، لا أحدَ يعترض، الكل يستمع، ويفضَّلُ أن تكوني مطرقةَ الرأس إجلالاً وحياءً من الله..
قد تلقي الآنسة بعضَ الأسئلة ربما لتجدّدَ انتباهَنا، لكنها تجيبُ عنها بنفسها، بعد أن تسمعَ كلمةً أو نصف كلمة من الإجابة
***
لأمر ما لم أحرص على التقرُّب من الآنسة..فبدأت أتّهم نفسي بالكِبْر، وأفكر بعبارة أمي: ستّ نفوس!! التي ترميها في وجهي عندما أدافعُ عن نفسي، أو يبدُر مني ما يشير إلى ردّ مهانة أو اعتدادٍ بالنفس
هل ستبدأ معاناةٌ غامضةٌ محرجة تشقّ طريقَها إلى كيان الفتاة المهذّبة الخجول؟
الاثنين، ١١ أغسطس ٢٠٠٨
السلام عليكم
رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً
اللهم ألهمنا رشدنا وجنّبنا الزلل
ربنا إليك أنبنا وعليك توكلنا
الجمعة، ٨ أغسطس ٢٠٠٨
( 3) وليَ آنستي
لعلي شعرت ببعض الوحشة والغربة.. ورغم أن البيت الجديد في دمشق كان واسعاً جداً، إلا أن حديقة قطنا العامرة بالجمال والنقاء تحولت إلى بلاط جافٍ يحيط بالبيت.. تقلصت مساحة السماء واختفت الخضرة أو كادت، واختفت بنات الجيران وصديقات المدرسة..
صارت فرحتي أكبر حين تزورنا بنات الأخوال والخالات، وقد أصبحت الآن مثلهن من سكان دمشق، وبلغ الفرح مداه حين زارتنا ثلاث منهن يوماً واستأذنّ أمي في أن أرافقهن إلى( الدرس)، كان ذلك يعني الخروج من البيت ورؤية ناس مختلفين.
ولعل مما زاد في بهجتي أن إحدى القريبات كانت صديقة عزيزة جداً تقاربني سناً، وكنت أعتبر حضورها إلى بيتنا عيداً، لخفة ظلها وجرأتها.
كنا في حي الميدان، بينما قدمت قريباتي من أحياء أخرى، ولم يكن التنقل بالباصات الكبيرة المضطربة المواعيد بالأمر السهل على ثلاث فتيات مهذبات سابغات الستر.
لم يكن البيت الذي قُدنَني إليه بعيداً بالنسبة لما تعارف عليه الناس يومها، لكنا انتقلنا من القسم الجديد في حي الميدان إلى القسم القديم، ذي البيوت عربية الطراز التي تقودك إليها حارات ضيقة، تتباعد فيها الأبواب الصامتة المزروعة في جدران عالية جداً
وكالعادة ينفتح البيت الدمشقي على دهليز معتم قليلاً. يقودك إلى فناء فسيح محاط بأشجار الكباد والليمون والنارنج.. وأنواع الزهور.. ربما لم تعد ثمة حاجة للوصف، من أراد وصفاً أدبياً تزينه شجون الحب والحنين فليقرأ ذكريات الشيخ الأديب علي الطنطاوي، ومن أراد الصورة فقط فلا شك أنه رآها في المسلسلات السورية، التي تجد في العودة إلى الحارة مهرباً ذكياً من مناكفة دهاليز الحاضر
كان الجو دافئاً.. فكان الدرس في الليوان، وهو تلك البقعة المسقوفة من الفِناء الذي نسميه أرض الديار
جلست الآنسة في صدر الليوان على أريكة.. بينما جلست البنات والسيدات على الأرض، من حيث استقرت قدماها إلى نهاية المجلس، مطرقات الرؤوس، يصعب تبين وجوههن
أذكر من ذلك البيت، من ذلك المشهد الجديد .. سيدة براقة الوجه، رغم بعض التجاعيد، تجلس على كرسي، كانت أحياناً تقاطع الآنسة( لا يفعل هذا غيرها) وتسهم ببعض الأمثلة والقصص التي كانت هي طرفاً فيها، ولعلها كانت تلقي علينا معاشر الصغيرات بعض التوجيهات الاجتماعية. وكانت الآنسة تستمع بأدب وابتسامة لطيفة، وقد علمت فيما بعد أن تلك المتحدثة من أقارب أهل الدار. كما تعرفت يومها بابنة الدار التي رحبت بنا كثيرا، وكانت تغطي رأسها هي الأخرى، في بيتها، مثل سائر التلميذات
أستطيع أن أزعم أني سررت جداً: بلقاء بضع بنات من سني، بالأناشيد العذبة التي تبدؤها الآنسة بصوت رخيم صاف..ثم تشاركها التلميذات.. كان الدرس يخاطبني، يأخذ بيدي إلى طريق سعادتي التي لا تكون إلا برضا الله عني.. هكذا يجب أن أكون، تماماً كما تقول الآنسة.. وما تطلبه الآنسة هو عين ما تطلبه أمي: أن أحرص على صلاتي، ألا أغتاب أحداً، أن أحفظَ القرآن.. هل في الحياة أفضل أو أجمل من هذا!
لكن الجلوس على الأرض طوال هذه المدة مزعج جداً
***
بُشّرتُ فيما بعد أن قريبتي الأصغر، تلك الجريئة الوضاءة، ستكون رفيقتي في الدرس كلّ أسبوع، أي فرحة! أما الصبيتان الأخريان فكلٌّ منهما لها درسُها وآنستها
الثلاثاء، ٥ أغسطس ٢٠٠٨
( 2) انطباعات الطفلة الأولية
من ذلك الدرس بالذات أذكر قصة رجل اشتكى إلى شيخه أنه لا يرى محمداً صلى الله عليه وسلم في منامه أبداً فنصحه الشيخ بأن يأمر امرأته بصنع أكلة كبّة شديدة الملوحة، ويكثر منها قبل النوم، دون أن يشرب الماء
ولما عمل المريد بنصيحة شيخه لم ير في منامه النبي صلى الله عليه وسلم بالطبع، بل رأى نفسه يتنقل من نهر إلى نهر، ومن بحيرة إلى بحيرة يريد أن يشرب.. سخر منه الشيخ وقال تريد أن ترى النبي بعد أكلة كبة، وبيّن له القصد من أوامره، وأن من أراد أن يرى محمداً فيجب أن يكون شديدَ الشوق إليه، أو شيئاً من هذا القبيل
كنت مدعوة للنوم في بيت قريبتي، فلما عدنا معاً بدأت ألاحظ التغير الذي طرأ عليها: حاجباها متروكان تماماً، وكانت تنظفهما وتنظمهما، شعرها معقوص إلى الخلف، ملابسها أبسط، لا تكاد تشكل من جسمها شيئاً.. جُلُّ حديثها وحديث أختها ينصب على ذكر الآنسة: قالت، فعلت، أوصت، حكت.. وقد ترددان بعض الأقوال أو الأحاديث التي تسمعانها منها باستمرار: لعن الله النامصة والمتنمّصة، من لا شيخ له فشيخه الشيطان، واستاكوا عرضاً.. وبدا لي فعلاً أن البيت يعيش حالة جديدة لم أعهدها، رغم أن أمّهما عابدة ذاكرة تقومُ الليل مذ وعَيت وجودها
استغرق الأمر بضع سنوات، قبل أن أدرك وأتعلم أن هنالك حديثاً صحيحاً وآخر موضوعاً وآخر ضعيفاً. وأن من الفقهاء من لا يرى بأساً في الاستشهاد بالحديث الضعيف( إذا قوّاه غيره) في أبواب الترغيب والترهيب، وإن كنت أجد أن في كلام الله تعالى، وفي صحيح حديث محمد صلى الله عليه وسلم سعة وكفاية لترغيب المسلم وترهيبه، والله أعلم
من أحاديث الصديقات والقريبات- ومعظمهن انخرطن في الجماعة- فهمت أن الآنسة منيرة، قبل تفرغها للدعوة، كانت مدرسة بارعة في مادة العلوم الطبيعية( الأحياء) وأنها تتفوق بخاصة في الرسم التوضيحيّ، بحيث يكون مسح السبورة بعد حصتها أمراً محزناً
ومن مصادر أخرى لا تحبّذ خطّ الآنسة، سمعت( بعد أن أصبحت تلميذة في جماعتها) أنها تتلمذت على يد الشيخ( أحمد كفتارو) الذي كان أبوه شيخاً وعالماً فاضلاً جداً، لكن الابن لم ير بأساً في أن يكون مفتي البلاد التي استولى حزب البعث على الحكم فيها سنة 1963 بانقلاب عسكري، ملغياً ما كان يسمى حياة ديموقراطية عرفتها سورية بعد رحيل المستعمر الفرنسي سنة 1946. وهو الحزب الذي لا يخفي علمانيته وفق مصطلحاتنا الحديثة، بل اشتهر عنه عداؤه للدين والمتدينين
الاثنين، ٤ أغسطس ٢٠٠٨
( 1) طفلة تدعى إلى درس
المراهقة إلى ما قبل البلوغ( انظر د. الثويني من الكويت) وهي فكرة تستحق التنويه .
أعود إلى حديثي الأساس:
سأحاول نقل تجربتي مع جماعة الآنسة( منيرة قبيسي) تماماً كما عشتها، وأية إضافة ستكون أيضاً من خبرة شخصية مصدرها قريبات وصويحبات عشن معي وعشت معهن تلك الحقبة.. لن أعود إلى أي مصدر سوى تجرِبتي
لقد تحدثت بعض المواقع الإلكترونية وبعض الصحف عن جماعة( القبيسيات) بصورة محايدة أو هجومية أحياناً، كما ظهر أكثر من كتاب يتناول تجربتهن من زوايا مختلفة، لكني غير معنية البتة بالعودة إليها، لأني أودّ رصد تجرِبتي( القصيرة نسبياً) كما حصلت وكما فهمتها وشعرت بها..فحسب