بدون تعليمات موجهة لي شخصياً( كما أشرت في حلقة سابقة).. من النظرات المتبادلة، من بعض العبارات التي تبدو عرضية أحياناً، من مظهر رفيقات الدرس؛ من أحاديث وتوجيهات القريبات الغارقات في حب الآنسات، تشكل لدي وعي ما، إحساس ما بما يجب وما لا يجب.. بما تحب الآنسة وما تكره، وكنت راغبة في الطاعة، ربما بحكم السن أو الطبيعة الشخصية، ربما بسبب انتمائي إلى بيت لا يخلو من روح التصوف، ولعل كل بيوت الطيبين المتدينين( كما يُسمَّون) في الشام كانت كذلك
ذلك أن الإرث الصوفي، الذي يضرب بجذوره إلى أيام المماليك، ومن بعدهم العثمانيون، هو الأقوى والأكثر شيوعاً في الشام، حيث دفن محيي الدين بن عربي( وقد بنى المسجد على قبره السلطان العثماني سليم الأول) الذي صار قبره مقصد الحزانى المبتلين، والخائفين الراغبين، يتبركون بزيارته وينذرون له النذور، وهو الرجل الذي يدل ظاهر كلامه على عقيدة وحدة الوجود* الكفرية، لكن الرافضين لتكفيره يقولون: إن الكلام الموجود في كتبه كفر
ومن هنا كانت الحرب الشعواء على النفس ومطالب النفس وهوى النفس؛ ثقافةً شائعة رسخت لدينا الميل إلى احتقار الذات والسعي إلى سحقها وإذلالها
لم يكن الفرق واضحاً أبداً ولا مطروحاً ما بين النفس اللوامة، وبين ذلك الشعور الثقيل الذي يربك فكرة الاعتزاز بكونك مسلمة
لم أسمع في درسي يوماً تلك العبارة الشهيرة لعمر رضي الله عنه: لا تُمِت علينا ديننا.. على العكس كان التماوت والاستكانة والتحسر؛ هو السائد في الدروس وفي المجالس، سواء
هذه النفس أمّارة بالسوء، تحركها الأهواء والشهوات، ولا بد من كبحها وصولاً إلى قهرها.
الأفكار يجب أن تراقب، المشاعر تحت المراقبة، ويجب أن نسيطر عليها بحزم وقسوة..
***
لذلك كان ثمة صلوات كثيرة مطلوبة، عدا الفريضة: صلاة الضحى( يستحسن أن تصل إلى اثنتي عشرة ركعة) وصلاة الرغائب( لها توقيتها من شهر رجب وأصولها)، وصلاة التسابيح(ولها أصولها أيضاً)، ثمة
قيام الليل بالطبع، لكن له طقوسه وأصوله
وقد سبق الحديث عن حفظ القرآن، وكيف أنه كان شيئاً بدهياً، أكاد أجزم أنه صارف عن الغاية من هذا الكتاب المعجز، الذي يحمل رسالة الإسلام، طالما أنه يتمّ بسرعة ودون أن يرافقه ولو حد أدنى من الإلمام بموضوعات السورة أو أسباب نزولها.. أبدا.. الكمّ هو الفيصل، كلما حفظت أكثر، فأنت أفضل.
يجب أن تكون لك أذكار وتسبيحات يومية صباحية ومسائية( بالألوف)، ولقد حاولت تقليد إحدى قريباتي في ذكرها حين تضع على رأسها شرشفاً كبيراً يؤمن لها الظلمة، ومعها سبحتها، ثم تبدأ الذكر، وإذا بها بعد دقائق تبدأ تهتز .. وصوت حبات السبحة يتتابع بصورة أسرع.
كأن الأمر أعجبني، واعتقدت أني سأكون بنتاً صالحة لو استطعت الوصول إلى هذه الحال، فلما جربت ذلك مرة أو مرتين وجدت أن اهتزازي ليس ناشئاً عن خشوع أو حالة ما! بل يعود إلى نشدان السرعة وقد ألِف الذهن عبارة التسبيح أو الاستغفار، واللسان يريد التجاوب مع سرعة الذهن، فلا ينجح تماماً، فلايجد أمامه إلا الاستنجاد بحركة الجسم الذي يستجيب باهتزازات متقاربة قوية.. وكأنه يساعد اللسان على الإسراع
كيف تكون العبادة مربكة معقدة هكذا..
***
أنا بنت رديئة كسولٌ مزاجية!! وسأعيش هذا الصراع الجاهل طويلاً.. بانتصارات نادرة.. وهزائم متكررة.
_________________
*وحدة الوجود: عقيدة تقول بأن الله والطبيعة واحد، وكل صورة في الكون إنما تعبر عن الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا. وانظر
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/87.htm
الخميس، ٤ سبتمبر ٢٠٠٨
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
هناك ٥ تعليقات:
جزاك الله خيرا !ّ
أستطيع أن أقول أن الحلقة الخامسة كانت الأقوى من حيث تفصيل أفكار هذا التنظيم وطريقته وأهدافه .
برأيي هذا مشروع ضخم أعاتك الله عليه ....ولعله يكون لبنة ولو صغيرة في كشف وتوضيح ((القبيسيات ))
التعليق الأول باسمي ((ريحانة )).
جزيت خيراَ يا ريحانة، عطرت المدونة بمرورك الطيب..ملاحظتك في الحسبان، ولا زال في الجعبة المزيد عن المضمون الذي سيرد في حينه إن شاء الله
ولك خالص التحية
وصلني هذاالتعليق عبر طرف ثالث، من صبية تتابع دراستها العليا في الولايات المتحدة الأمريكية:
…, concerning the Qubaisi people ,I think they are basicly a Cult…ohh I can tell stories cause im surrounded by them.what drives me carzy the most is the mooled thing,,Dividing people into lessons depending on their social and financial class is another issue,,I can understand the social part but howcome the financial!!??
Best Regards,
نعم، الكم لا الكيف، بالنسبة لرفيقاتي الكثيرات اللواتي لا يزلن حتى الآن يحضرن هذه المجالس، أقول إنهن يحضرنها لمتابعة حفظ القرآن ومراجعته فحسب، هذا بحسب كلامهن.
بالنسبة لتعليق الأخت من أمريكا: لا أريد الطعن في الجماعة وأنا لم أدخل بينهن يوما، لكن من كلام من يعرفن، كن يطمعن في أهداف مادية، أما الغاية الحقيقة.. أرجو أن تتضح من كتابات خالة فاطمة.
إرسال تعليق