السبت، ٢٧ مارس ٢٠١٠
( 13) رحلة إلى البيت المدهش/ 2
( 12) رحلة إلى البيت المدهش/1
مع خيوط الصباح الأولى، توقفت أمام مدخل بيتي تلك الحافلة الصغيرة التي نسميها ميكرو باص، لتقلَّني مع رفيقات الدرس في رحلة نحو بلدة قريبة من دمشق، خضراء حسناء بأرضها وناسها( لعلها عين الفيجة، أو العين الخضراء)
كنت أشعر بالحماس والسرور، ففكرة مغادرة البيت والغياب عنه نهاراً كاملاً مغرية جداً لمراهقة تتهرب من أعمال المنزل، وتحب الثرثرة مع الصديقات، بل وتعتقد أن للصبيان نصيباً من الحرية لا يمكنها الحصول عليه، وبخاصة بعد أن غطت شعرها وسائر جسمها، ونبذت الألعاب الصبيانية التي كانت تشارك بها أخاها تحت السماء، بعيداً عن الجدران والأسقف..وقوانين الأمهات.
الحافلة صغيرة يقودها رجل قد يكون لإحدانا علاقة قرابة به، فأنت تفهمين بمرور الزمن أن الجماعة لديها شبكة علاقات ممتازة، تمكِّنها من تسيير وتيسير وتذليل عقبات كثيرة، قد تظهر في طريق النجاح والانتشار..
**
فوجئت كثيراً بل خفت من سماعي البنات يبدأن الإنشاد والغناء.. يا إلهي أليس هذا حراماً؟ هل يجوز أن يسمع السائق الغريب أصوات بنات محجبات.. قالت إحداهن ببساطة: غناء جماعي لا بأس..
ظللت مرتبكة، وازددت حيرة حين وافقت الآنسة بعد تمنع أن تغني، وقد ذكرت أن الله حباها بصوت نديّ مطرب، مع إتقان كنا نجده لا يضاهى.. قالت إحدى البنات الجريئات، وكانت في المرحلة الثانوية: أرجوك آنسة..ابدئي وسنغني معك..
كنا متجمِّعات حول الآنسة في المقعد الخلفي، لكن الحافلة كما ذكرت، صغيرة، وجعل البنات يكررن: السائق بعيد..سنغني معك، فاستجابت..
يحضرني هنا بيت الشاعر الأعمى بشار بن برد( ت: 168هـ):
ياقومُ أُذْني لبعض الحيّ عاشقةٌ= والأُذْن تعشقُ قبل العينِ أحيانا
لقد استُقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وصوله إلى المدينة بأغنية عذبة ما زلنا نردّدها حتى اليوم( ويُروى أنها كانت يوم عودة جيش المسلمين من تبوك) غناها الكبار والصغار، والنساء والرجال، فهل الحالتان متشابهتان؟
لا أجد سماع ترحيب بالنبي صلى الله عليه وسلم، تردده مئات الأصوات، يشبه غناء الآنسة، وحتى مجموعة بنات في ميكروباص، ومهما سمعت اليوم أن عالماً أو شيخاً يفتي بذلك، فسأظل أردد: لا بد من ضرورة، ليس صوت المرأة عورة، لكنها حين تغني، تصبح كمن زينت لباسها وجملته بما يلفت النظر إليه، فيكاد اللباس يفقد الغاية منه.
الخطأ واتباع الهوى سمة البشر، وقد يقع بنية طيبة، أو عن طمع برحمة الله، لكن الحكم يختلف حين نتحدث عن جماعة، وعن آنسة قدوة، لابد أن تأخذ نفسها بالأشدّ، لأن الأعين متعلقة بها، والأعناق مشرئبة إليها، وحين يتساهل القائد، فإن تساهل الأتباع يأتي أكبر وأكثر، والله أعلم.
الأربعاء، ٢٤ مارس ٢٠١٠
( 11) قيام ليلة القدر/ 2
إن الذين اتخذوا التصوف طريقة تديُّن وتقرُّب إلى الله؛ سيجدون في كلامي تبسيطاً وجهلاً، لأن لديهم- كما يعتقدون- ما يسوّغون به هذا الأسلوب في الذكر والتقرب إلى الله، لكن ما أعرفه ويعرفه كل مسلم يعود إلى الحديث الصحيح؛ أنه لا يجوز الابتداع في العبادات، وأن الإخلاص في العبادة، سواء كانت شعائرَ أو أفعالاً عادية، يقتضي كثيراً من التحوُّط والتخفّي خوفاً من الرياء..
**
أما عن تلك الركَعات المئة، فلا أصل لها في صحيح السنة، وقد يزعم البعض أنها بدعة حسنة، والردُّ هو نفسه، أن التقرب إلى الله لا يكون إلا وِفق ما شرعه سبحانه وتعالى، والصلاة كتاب موقوت، فلمَ أصلي قضاء خمسة أيام بحجة أني ربما لم أؤد بعض صلواتي على الصورة المطلوبة، وأنها لم تقبل مني؟ أليس في الأمر تنطع وافتراض لاضرورة له؟
ليس لنا، وليس علينا أن نفعل ما لم يفعله محمد صلى الله عليه وسلم، بأية حجة. إن صلاته في الليل معروفة موصوفة بالحديث الصحيح، وباب الخير واسع مفتوح أمام كل منا، نسعى إلى الأجر والثواب، دون أن نخترع ونضيف، حتى لو فعل ذلك ناس في القديم، ووُجد من يقرُّهم عليه..ما الداعي؟ ما الحاجة؟ أليست أسئلة ساذجة.. هل سنزيد أو نزاود على عبادة رسول الله؟
إنما يكون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، في أن تكون وراءه، تفعل ما يفعل، وتمشي حيث يمشي وتتجه حيث يتجه..لا تسابقه، ولا تحاذيه. صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
**
تخللت الصلوات أيضاً مواعظُ من الآنسة، لا تختلف عن غيرها، في خلط الجِد بالهزْل، والتوبيخ بالتخويف.
لكن قراءة الآنسة( ليست آنستي) للقرآن أثناء الصلوات، كثرت فيها أخطاء أدهشتني، وقد شاركتني الرأي فيما بعد قريبتي، بعد أن ذكرت من فضل الآنسة ونقائها ومنزلتها عند الآنسة منيرة.
**
أما الحادثة التي لا أنساها، والتي افتتحت بها ليلتنا، فهي أن إحدى البنات، وكانت صبية مجتهدة متفوقة، فاجأتها دورتها الشهرية، فأصيبت بحالة تشبه الهستيريا، وجعلت تبكي وتنتحب، وتردد أن الله تعالى غير راض عنها، وأنه لا يريدها في القائمين بين يديه.
جلست الآنسة( أو إحدى المريدات الأكبر سناً) على الأرض، ووضعت رأس البُنيَّة في حِجرها، وجعلت تمسح شعرها، وتهدئ خاطرها وقتاً غير قليل، والبنت تنتحب وتتحسر على نفسها. وهي على الأغلب بقيت معنا تذكر وتستغفر..ولعل ما حصل معها ناجم عن قرب عهدها بالبلوغ، فلم تنتظم دورتها بعد.
بقينا حتى طلوع الشمس، وكان ثمة، بالطبع، سحور لطيف فيه الإكرام والبساطة، ولا أذكر أني دعيت إلى حضور قيام مرة أخرى.
الاثنين، ٢٢ مارس ٢٠١٠
( 10) قيام ليلة القدر/ 1
دعتني صبية من القريبات لحضور قيام ليلة القدر، وكان معظم الناس يعتقدون في تلك الحقبة أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، فحسب، ولم تكن مسألة تحرّي الحديث الصحيح بذلك الشيوع الذي نجده اليوم.. بل إن الأخذ بالضعيف من الحديث كان مسوَّغاً بصورة مبالَغ فيها بدعوى الترغيب والترهيب، مع أن لهذا الأخذ بالضعيف شروطَه، ومن جهتي لا أجد له مسوِّغاً مادام بين أيدينا قرآن يتلى، وحديث صحيح.. ولا أدري لم نكون بعد ذلك في حاجة إلى حديث ضعيف لنرغب ونرهب.
أدخلوني غرفة فسيحة نسبياً، أضواؤها خافتة، تنبعث منها روائح طيبة، لعل أوضحها رائحة النظافة، ولهؤلاء الصبايا في مسائل النظافة والطهارة تشدد يفوق قوانين الفقه.
هذه النظافة الفائقة تؤثر على حواسّ المتعبد ولا شك، وتضفي جواً من الطمأنينة والسرور.
كانت أرض الغرفة مغطاة بسجادات الصلاة مع أغطية لمن أرادت، ومسابحَ.. لم يكن هنالك مقاعدُ وكأن الغرفة فُرِّغت من أثاثها من أجل القيام..
كان علينا أن نصليَ، تؤمُّنا الآنسة، فروض خمسة أيام، مجموعها مئة ركعة، بمعنى أنك تصلين صلاة الفجر خمس مرات، وصلاة الظهر خمس مرات..إلى العشاء، يضاف إليها الوتر حتى تصبح مائة..
يتخلل ذلك الذكر الجماعي مثل تكرار عبارة لا إله إلا الله، والصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم) وربما الإنشاد والغناء.
وقد يقام الذكر وقوفاً، وله أناشيدُ معينة ذات نغَمات متصاعدة، لا تخلو عباراتها مما لا يليق بذكر الله تعالى من مثل قولهم:
صاحِ دعني في سكري= واعذر فالهوى عذري
أنا ليس في سرّي إلا الله= آه آه بسم الله
وهذه القصيدة تبدأ بقولهم:
أنت نسخة الأكوان= فيك صورة الرحمن
فاجمع سور القرآن بسم الله= آه آه بسم الله
صدقوني لا أفهمها جيداً حتى اليوم..هل لكل عبارة معنى، أم فيها رصف كلمات للضرورة..وهل محمد صلى الله عليه وسلم هو نسخة الأكوان، وما معنى أن يكون نسخة الأكوان..
ولما سمعت مني إحداهن بعد مدة كلمات تلك القصيدة قالت: ماهذا؟ هذه ليست من مستواك..ولم أفهم..كنت أحب اللحن فحسب وأحاول التغابي عن المعاني التي تؤرقني، وتبعث في نفسي الكثير من التساؤلات.
**
حين نهضت البنات بإشارة من الآنسة، وتحلقن في دائرة كبيرة..ودعونني للانضمام إليهن والإمساك بيدي الزميلات؛ اضطربت وارتبكت، ووجدت نفسي أفلت يديَّ، لم أستطع مجاراتَهن رغم كل ما أظنه في نفسي من خجل ومسايرة ومطاوعة.. لم أستوعب ولم أتفهم كيف يذكر الله هكذا، وكيف يكون لي الأجر العميم وأنا أقف مستعرضة خشوعي وانسجامي..
لم يلحَّ علي أحد، وجلست على كرسي في زاوية الغرفة، أرقب الأجسام المتمايلة يميناً شمالاً، أمامَ وراء، في انسجام يشبه رقصة جماعية محتشمة ناجحة الإعداد والإخراج والتدريب، وأرقب الوجوه التي ترسم تعابير الوله والوجد والتوق إلى رضا الله أو لقائه أو الفناء فيه..والله أعلم.
وأنا أجزم أن أي إنسان من لحم ودم وأعصاب، لو كان في هذا الموقف لانغمس فيه، وانتقلت إليه عدوى الطرب والانتشاء، ولربما بكى وأغمي عليه، وهذا ما نراه في الحفلات الغنائية من الشباب والشابات.. إن الشعور الجمعي أشبه بتيار كهربائي يسري في الجميع..كما أن الإيقاع المنتظم لضربات الدف أو المزهر التي ترافق هذه الطريقة في الذكر التي تسمى( الحضرة) حين تتخذ طابعاً أكثر جدية، وتكون مقصودة لذاتها، يساعد على تحقيق الانسجام بين ال( ذاكرات!) وال( ذاكرين!) وبالتالي يوحد مشاعرهم وربما أفكارهم.
السبت، ٦ مارس ٢٠١٠
( 9) دمعتان على تنورة الآنسة
الأحد، ٩ نوفمبر ٢٠٠٨
(8) درس في الحبّ لم أفهمه
بقيت فترة تحدثني عن الآنسة فلانة، التي كانت صبية مترفة تقود السيارة وتذهب إلى المسابح، وتلبس الملابس المكشوفة، بل تعتمِر أحياناً قبعة تواكب الأزياء السائدة.. ثم هداها الله على يد الآنسة منيرة، فكانت تعبر عن ذلك مزاحاً قائلة: تحولت قبعتي إلى حجاب.
الآنسة فلانة كانت جريئة جهيرة الصوت، شقراءَ بضة ناعمة، بعينين زرقاوين، وأيُّ جمال ينافس أو يضارع زرقة العينين في الشام؟
يوماً بعد يوم كان قريبتي تكرر: أحب الآنسة فلانة، ليس بيدي.. أحبها.. تغمض عينيها وكأنها تتأملها بشغف، تخرج من صدرها الغضّ البريء تنهيدة: صوتها حلو، كلها حلوة..
كنت أسخر منها أحياناً: أنت تحبين شكلها.. شيء مضحك! فتقسم أن ليس هذا هوالسبب، إنها تحبها، وتودّ الانتقال إلى درسها.
لم تكن آنستي شقراء، ولا حسناء.. لكني كنت معجبة بصوتها النديّ وحديثها اللطيف جداً إذا ما قورن بغيرها( وقد كثرت الآن لقاءاتي العابرة بآنسات أخر، في بيوت العائلة والأصدقاء والمعارف) لم يخطر لي يوماً أني أحبها أو أكرهها، ربما كنت أحبها، لكنْ حبَّ التلميذة المعجبة بمعلمتها، كنت أعتقد أنها تقدم لي عوناً عظيماً رائعاً، وتَمدُّني بالكثير من القوة أقارع بها نفسي وشيطاني..
على نحو ما وجدت كلام القريبة المحبوبة التي كم أغبطها على جرأتها ومهارتها في الحياة، رغم أنها تركت المدرسة مبكرة..وجدته معيباً، ولا معنى له: المهم هو الدرس لا الآنسة..
لم يمض وقت طويل، حتى أعلنت الفتاة المغرمة، أنها كلمت أختها، وأن أختها كلمت آنسة ما أكبر( منزلة طبعاً) وسمح لقريبتي بالانتقال إلى حلْقة الآنسة فلانة..
أفهمتني صديقتي الصغيرة هذه، ومن بعدها قريبتنا الأكبر، أن الحب عامل مهم في التلقي، ومن تحبّ الآنسة تستفد أكثر.. تنازعتني مشاعرُ من عتب ولوم، ومن فخر واعتداد: لا يمكن أن أحبّ آنستي إلى هذا الحد.. أنا راضية بها، لكن لا أحسّ نحوها بما تصفه البنات.. هذا الحب لا تستحقّه سوى الأمهات!!
كان يدهشني كيف تتحدث البنات عن الآنسات: يصفنَ حركاتِهن وسكناتهن وعباراتهن البسيطة التي قد تكون نوعاً من الشتم أو النقد أو التذكير القاسي..
كان يدهشني كيف يستغرقن في وصف تفاصيلَ دقيقةٍ تتعلق بملابس الآنسة( ألا حظت كيف بدا كفها مع كمّ القميص من تحت كم المعطف) وتحركات الآنسة( لمحتها بدون حجاب فجرت وغطت رأسها بكفيها وهي تصيح بنا: لا تنظرن إليّ.ياه..!) وكلمات الآنسة التي غالباً ما تكون تقريعاً وتوبيخاً يختلط فيه الجد بالهزل، من مثل: روحي ارمي نفسك في الزبالة أو: ناقض عليك( يعني متراجعة روحياً) ..على العكس منها: فارق عنك!
لكني كنت أقع تحت تأثير الصحبة في بعض الأحيان، فأكرر اتهامي لنفسي بأني بنت قاسية القلب، وأني لو استطعت أن أحبّ لربما كان سلوكي أفضل..
لعلي كنت أتجنب من حيث لا أدري أن تُمَسَّ( ست نفوس) إذا كنتم تذكرون وصف أمي لي، أتجنب أن أضطر لتقديم خدمة ما دون رغبة مني، وقد رأيت مرة في نهاية درس من الدروس إحدى الرفيقات تسبق الآنسة إلى حذائها، لتحضره وتضعه أمامها، لعل الآنسة( ولست متأكدة) أبدت نوعاً من الممانعة، لكني شعرت باستنكار شديد، وتمنيت أن الآنسة سخطت وحذّرت من تكرار الأمر.
ربما يجب أن أختم كلامي بالإشارة إلى أني سمعت عن كثير من الخدمات تقدم للآنسات، تشمل حتى تنظيف البيوت والأطفال، وأن ذلك يحصل امتثالاً للآنسة منيرة ذاتها التي تريد أن تتفرغ فلانة( وهي على الأغلب سيدة حسناء من عائلات دمشق العريقة ذات المال والنفوذ المعنويّ على الأقل) للتدريس والنشاطات الدعوية، ولعل من نقلت إلي هذه الأخبار رأت على وجهي بعض علامات الدهشة أو الإنكار فأضافت: لم لا، إنها ناجحة في التدريس وتحبب البنات بالدين والحجاب.
والحجاب هو نهاية المطاف وهو الغاية الكبرى.. فما أن تتحجب البنت حتى تنال شهادة الإيمان والاستقامة والصدق.
ولعل الواحد منا وقد مرّ بشعبنا وأمتنا ما مرّ حتى اليوم؛ ليدركَ أيَّ فقاعة كاذبة كنا نتدحرج في داخلها، ونحن نرقب تكاثر عدد المحجبات.. ونعيش ذلك التصاعد المفزع المحزن في وتيرة التخلف السياسي( وعلى رأسه خنق الحريات) والاجتماعي والاقتصادي والتربوي..ممهِّداً أو مقترناً بهزائمَ متنوعةٍ موجعة على كل صعيد.
كيف؟
الأربعاء، ١٧ سبتمبر ٢٠٠٨
( 7) وذلك الجسم
إن من أبرز أساليب القمع أن يكون جسم البنت ومظهرها آخر ما تفكر فيه!!
الجسم حي، يمكن أن يخضع للهوى والنفس، كما يمكن أن يستجيب لنداءات الروح.
الجسم( كما تعلمت بعد زمن) يستحق الرعاية والعناية، لأنه مطيتك( دابتك فعلا) إلى الطاعات كما يقول ابن الجوزي.. الجسم يؤخذ بالحكمة والمسايرة أحياناً، وبالحزم والزجر أحياناً. لا بد من الأسلوبين، لا بد من اتباع سنة المبعوث رحمة للعالمين.
لكن الأمر يختلف عندما تسلك طريقاً نحو التصوف، أو ما يشبهه :
فيمايتعلق بالعناية الشخصية، فقد بدا لي واضحاً من مخالطة القريبات والزميلات أن بعض شؤون التنظيف والتجميل التي تألفها مجتمعات النساء، صارت أمراً شبه منكر..
لقد شعرت أحياناً ببعض العطف والحزن لما آلت إليه حال بعض الشابات اللواتي كن مهتمات لمظهرهن وجمالهن، قبل أن يصبحن قبيسيات!!
وسيمضي وقت غير قصير، قبل أن أسعى إلى معرفة الفرق بين ما فرضته الدروس.. وما فرضه الله، بين ما منعته الدروس، وما حرمه الله تعالى، في دين يهذّب الفطرة ولا يحاربها، يدعو إلى الحياة الطبيعية دون شطط، ولا غفلة.
يفضل أن تلبسي قميصاً قطنياً بكم قصير تحت ملابسك صيفاً شتاء ربيعاً خريفاً.. يكمله سراويل* قطنيّ أيضاً يقبض على ما تحت الركية بمطاط..
بذلك تضيع معالم جسم الأنثى، حتى في بيتها، وتقنع نفسها( أو توهمها) بأنها لا تفكر بأنوثتها، وأنه لا أحد سيهتم بها بعد.
من هنا يفترض فيها ألا تشغل نفسها بمسألة الزواج، بل إن هذه الفكرة تقلقها وتجعلها تتساءل كيف يمكن التوفيق بين طاعة الله والتبتل له، وبين أن تصبح زوجة، عليها كل واجبات الزوجة..
الحياة الحقيقية مغيَّبة تماماً عن الدروس، كلُّ الذين تضرب بهم الأمثال: هجروا الدنيا، تعرضوا للمهانة والازدراء، جاعوا وتشردوا هاموا على وجوههم يجرون أجساماً أثقلتها آثام فظيعة لايدرون كيف ومتى يكفّرون عنها.....
سبحان الله!
وكأنك أيها الإنسان خلقت لتهجر الدنيا، متفرغاً للبكاء على خطاياك، لتأديب نفسك إن لم يكن تعذيبها!! فلا يتبقى لديك أي وقت لتكون خليفة الله في أرضه، فتعمرها وتنشر فيها رسالة الخير، قائماً على الحق في مواجهة الباطل.
استطراد أجده مفيداً:
وعندما يتجاهل الآباء والمربون حاجات الجسم وتطوراته الطبيعية، وينظرون إليها باستقذار كَنَسي، ولا يسمحون بالخوض فيها معهم أو أمامهم، يظنون أن الأمور تسير وفق ما يشتهون، وأن الأبناء لن يبحثوا عن مصادر أخرى تعلمهم أو ترد على تساؤلاتهم أو تفسر مشاعرهم وتوجهها، ولقد اطلعت بعد زمن طويل جدا، بعد الزواج والإنجاب، على عدد من مجلة( طبيبك)، فوجدت أني كنت بحاجة ماسة إليها في وقت من الأوقات، وأنها لو تجنبت المبالغة والتفصيل المثير أحياناً، لربما أعانت بعض البيوت.
وإن كان لنا- معاشر المسلمين- في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته المبينة لكتاب الله تعالى؛ لغنى في شؤون الدنيا والآخرة، لو صدقنا في قراءتها واستنطاقها.
***
لم يطل بي الأمر حتى اتخذت للخروج معطفاً واسعاً، يغطي جزءاً من الساقين، مثل كثير من رفيقات الدرس، لكني شعرت بالحنق والحرج من مظهري.
*الجسم في اللغة، غير الجسد، الجسد هو المكوِّن المادي، أو البدن دون روح، قال تعالى في وصف المرسلين "وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين" الأنبياء/ 8 وقال تعالى: " واتخذ قوم موسى من حليّهم عجلاً جسداً له خوار.." الأعراف 148 – أما الجسم فهو البدن الحي، وفي وصف طالوت قال تعالى" وزاده بسطة في العلم والجسم" البقرة/ 247
* السراويل للواحد هي الصواب، والجمع سراويلات( انظر المعجم الوسيط: سرول). وإن كان الشائع: سروال، مع جمعه على سراويل.