السبت، ٢٧ مارس ٢٠١٠

( 12) رحلة إلى البيت المدهش/1


مع خيوط الصباح الأولى، توقفت أمام مدخل بيتي تلك الحافلة الصغيرة التي نسميها ميكرو باص، لتقلَّني مع رفيقات الدرس في رحلة نحو بلدة قريبة من دمشق، خضراء حسناء بأرضها وناسها( لعلها عين الفيجة، أو العين الخضراء)

كنت أشعر بالحماس والسرور، ففكرة مغادرة البيت والغياب عنه نهاراً كاملاً مغرية جداً لمراهقة تتهرب من أعمال المنزل، وتحب الثرثرة مع الصديقات، بل وتعتقد أن للصبيان نصيباً من الحرية لا يمكنها الحصول عليه، وبخاصة بعد أن غطت شعرها وسائر جسمها، ونبذت الألعاب الصبيانية التي كانت تشارك بها أخاها تحت السماء، بعيداً عن الجدران والأسقف..وقوانين الأمهات.

الحافلة صغيرة يقودها رجل قد يكون لإحدانا علاقة قرابة به، فأنت تفهمين بمرور الزمن أن الجماعة لديها شبكة علاقات ممتازة، تمكِّنها من تسيير وتيسير وتذليل عقبات كثيرة، قد تظهر في طريق النجاح والانتشار..

**

فوجئت كثيراً بل خفت من سماعي البنات يبدأن الإنشاد والغناء.. يا إلهي أليس هذا حراماً؟ هل يجوز أن يسمع السائق الغريب أصوات بنات محجبات.. قالت إحداهن ببساطة: غناء جماعي لا بأس..

ظللت مرتبكة، وازددت حيرة حين وافقت الآنسة بعد تمنع أن تغني، وقد ذكرت أن الله حباها بصوت نديّ مطرب، مع إتقان كنا نجده لا يضاهى.. قالت إحدى البنات الجريئات، وكانت في المرحلة الثانوية: أرجوك آنسة..ابدئي وسنغني معك..

كنا متجمِّعات حول الآنسة في المقعد الخلفي، لكن الحافلة كما ذكرت، صغيرة، وجعل البنات يكررن: السائق بعيد..سنغني معك، فاستجابت..

يحضرني هنا بيت الشاعر الأعمى بشار بن برد( ت: 168هـ):

ياقومُ أُذْني لبعض الحيّ عاشقةٌ= والأُذْن تعشقُ قبل العينِ أحيانا

لقد استُقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وصوله إلى المدينة بأغنية عذبة ما زلنا نردّدها حتى اليوم( ويُروى أنها كانت يوم عودة جيش المسلمين من تبوك) غناها الكبار والصغار، والنساء والرجال، فهل الحالتان متشابهتان؟

لا أجد سماع ترحيب بالنبي صلى الله عليه وسلم، تردده مئات الأصوات، يشبه غناء الآنسة، وحتى مجموعة بنات في ميكروباص، ومهما سمعت اليوم أن عالماً أو شيخاً يفتي بذلك، فسأظل أردد: لا بد من ضرورة، ليس صوت المرأة عورة، لكنها حين تغني، تصبح كمن زينت لباسها وجملته بما يلفت النظر إليه، فيكاد اللباس يفقد الغاية منه.

الخطأ واتباع الهوى سمة البشر، وقد يقع بنية طيبة، أو عن طمع برحمة الله، لكن الحكم يختلف حين نتحدث عن جماعة، وعن آنسة قدوة، لابد أن تأخذ نفسها بالأشدّ، لأن الأعين متعلقة بها، والأعناق مشرئبة إليها، وحين يتساهل القائد، فإن تساهل الأتباع يأتي أكبر وأكثر، والله أعلم.

الأربعاء، ٢٤ مارس ٢٠١٠

( 11) قيام ليلة القدر/ 2

إن الذين اتخذوا التصوف طريقة تديُّن وتقرُّب إلى الله؛ سيجدون في كلامي تبسيطاً وجهلاً، لأن لديهم- كما يعتقدون- ما يسوّغون به هذا الأسلوب في الذكر والتقرب إلى الله، لكن ما أعرفه ويعرفه كل مسلم يعود إلى الحديث الصحيح؛ أنه لا يجوز الابتداع في العبادات، وأن الإخلاص في العبادة، سواء كانت شعائرَ أو أفعالاً عادية، يقتضي كثيراً من التحوُّط والتخفّي خوفاً من الرياء..

**

أما عن تلك الركَعات المئة، فلا أصل لها في صحيح السنة، وقد يزعم البعض أنها بدعة حسنة، والردُّ هو نفسه، أن التقرب إلى الله لا يكون إلا وِفق ما شرعه سبحانه وتعالى، والصلاة كتاب موقوت، فلمَ أصلي قضاء خمسة أيام بحجة أني ربما لم أؤد بعض صلواتي على الصورة المطلوبة، وأنها لم تقبل مني؟ أليس في الأمر تنطع وافتراض لاضرورة له؟

ليس لنا، وليس علينا أن نفعل ما لم يفعله محمد صلى الله عليه وسلم، بأية حجة. إن صلاته في الليل معروفة موصوفة بالحديث الصحيح، وباب الخير واسع مفتوح أمام كل منا، نسعى إلى الأجر والثواب، دون أن نخترع ونضيف، حتى لو فعل ذلك ناس في القديم، ووُجد من يقرُّهم عليه..ما الداعي؟ ما الحاجة؟ أليست أسئلة ساذجة.. هل سنزيد أو نزاود على عبادة رسول الله؟

إنما يكون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، في أن تكون وراءه، تفعل ما يفعل، وتمشي حيث يمشي وتتجه حيث يتجه..لا تسابقه، ولا تحاذيه. صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

**

تخللت الصلوات أيضاً مواعظُ من الآنسة، لا تختلف عن غيرها، في خلط الجِد بالهزْل، والتوبيخ بالتخويف.

لكن قراءة الآنسة( ليست آنستي) للقرآن أثناء الصلوات، كثرت فيها أخطاء أدهشتني، وقد شاركتني الرأي فيما بعد قريبتي، بعد أن ذكرت من فضل الآنسة ونقائها ومنزلتها عند الآنسة منيرة.

**

أما الحادثة التي لا أنساها، والتي افتتحت بها ليلتنا، فهي أن إحدى البنات، وكانت صبية مجتهدة متفوقة، فاجأتها دورتها الشهرية، فأصيبت بحالة تشبه الهستيريا، وجعلت تبكي وتنتحب، وتردد أن الله تعالى غير راض عنها، وأنه لا يريدها في القائمين بين يديه.

جلست الآنسة( أو إحدى المريدات الأكبر سناً) على الأرض، ووضعت رأس البُنيَّة في حِجرها، وجعلت تمسح شعرها، وتهدئ خاطرها وقتاً غير قليل، والبنت تنتحب وتتحسر على نفسها. وهي على الأغلب بقيت معنا تذكر وتستغفر..ولعل ما حصل معها ناجم عن قرب عهدها بالبلوغ، فلم تنتظم دورتها بعد.

بقينا حتى طلوع الشمس، وكان ثمة، بالطبع، سحور لطيف فيه الإكرام والبساطة، ولا أذكر أني دعيت إلى حضور قيام مرة أخرى.

الاثنين، ٢٢ مارس ٢٠١٠

( 10) قيام ليلة القدر/ 1

دعتني صبية من القريبات لحضور قيام ليلة القدر، وكان معظم الناس يعتقدون في تلك الحقبة أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين، فحسب، ولم تكن مسألة تحرّي الحديث الصحيح بذلك الشيوع الذي نجده اليوم.. بل إن الأخذ بالضعيف من الحديث كان مسوَّغاً بصورة مبالَغ فيها بدعوى الترغيب والترهيب، مع أن لهذا الأخذ بالضعيف شروطَه، ومن جهتي لا أجد له مسوِّغاً مادام بين أيدينا قرآن يتلى، وحديث صحيح.. ولا أدري لم نكون بعد ذلك في حاجة إلى حديث ضعيف لنرغب ونرهب.

أدخلوني غرفة فسيحة نسبياً، أضواؤها خافتة، تنبعث منها روائح طيبة، لعل أوضحها رائحة النظافة، ولهؤلاء الصبايا في مسائل النظافة والطهارة تشدد يفوق قوانين الفقه.

هذه النظافة الفائقة تؤثر على حواسّ المتعبد ولا شك، وتضفي جواً من الطمأنينة والسرور.

كانت أرض الغرفة مغطاة بسجادات الصلاة مع أغطية لمن أرادت، ومسابحَ.. لم يكن هنالك مقاعدُ وكأن الغرفة فُرِّغت من أثاثها من أجل القيام..

كان علينا أن نصليَ، تؤمُّنا الآنسة، فروض خمسة أيام، مجموعها مئة ركعة، بمعنى أنك تصلين صلاة الفجر خمس مرات، وصلاة الظهر خمس مرات..إلى العشاء، يضاف إليها الوتر حتى تصبح مائة..

يتخلل ذلك الذكر الجماعي مثل تكرار عبارة لا إله إلا الله، والصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم) وربما الإنشاد والغناء.

وقد يقام الذكر وقوفاً، وله أناشيدُ معينة ذات نغَمات متصاعدة، لا تخلو عباراتها مما لا يليق بذكر الله تعالى من مثل قولهم:

صاحِ دعني في سكري= واعذر فالهوى عذري

أنا ليس في سرّي إلا الله= آه آه بسم الله

وهذه القصيدة تبدأ بقولهم:

أنت نسخة الأكوان= فيك صورة الرحمن

فاجمع سور القرآن بسم الله= آه آه بسم الله

صدقوني لا أفهمها جيداً حتى اليوم..هل لكل عبارة معنى، أم فيها رصف كلمات للضرورة..وهل محمد صلى الله عليه وسلم هو نسخة الأكوان، وما معنى أن يكون نسخة الأكوان..

ولما سمعت مني إحداهن بعد مدة كلمات تلك القصيدة قالت: ماهذا؟ هذه ليست من مستواك..ولم أفهم..كنت أحب اللحن فحسب وأحاول التغابي عن المعاني التي تؤرقني، وتبعث في نفسي الكثير من التساؤلات.

**

حين نهضت البنات بإشارة من الآنسة، وتحلقن في دائرة كبيرة..ودعونني للانضمام إليهن والإمساك بيدي الزميلات؛ اضطربت وارتبكت، ووجدت نفسي أفلت يديَّ، لم أستطع مجاراتَهن رغم كل ما أظنه في نفسي من خجل ومسايرة ومطاوعة.. لم أستوعب ولم أتفهم كيف يذكر الله هكذا، وكيف يكون لي الأجر العميم وأنا أقف مستعرضة خشوعي وانسجامي..

لم يلحَّ علي أحد، وجلست على كرسي في زاوية الغرفة، أرقب الأجسام المتمايلة يميناً شمالاً، أمامَ وراء، في انسجام يشبه رقصة جماعية محتشمة ناجحة الإعداد والإخراج والتدريب، وأرقب الوجوه التي ترسم تعابير الوله والوجد والتوق إلى رضا الله أو لقائه أو الفناء فيه..والله أعلم.

وأنا أجزم أن أي إنسان من لحم ودم وأعصاب، لو كان في هذا الموقف لانغمس فيه، وانتقلت إليه عدوى الطرب والانتشاء، ولربما بكى وأغمي عليه، وهذا ما نراه في الحفلات الغنائية من الشباب والشابات.. إن الشعور الجمعي أشبه بتيار كهربائي يسري في الجميع..كما أن الإيقاع المنتظم لضربات الدف أو المزهر التي ترافق هذه الطريقة في الذكر التي تسمى( الحضرة) حين تتخذ طابعاً أكثر جدية، وتكون مقصودة لذاتها، يساعد على تحقيق الانسجام بين ال( ذاكرات!) وال( ذاكرين!) وبالتالي يوحد مشاعرهم وربما أفكارهم.

السبت، ٦ مارس ٢٠١٠

( 9) دمعتان على تنورة الآنسة

السلام عليكم: أعود بعد انقطاع زاد عن سنة..إذ لا زلت راغبة أن أتابع هذا الذكريات..ولو دون تسلسل دقيق

***

لا زلت أعيش صراعاً يتناوب شدة وليناً.. فثمة أمور أخرى كثيرة تشغلني، على رأسها المدرسة التي اعتدت أن أعطيها الاحترام والكثير من الحب أيضاً.
جو الدرس مريح مطمئن، كلنا متشابهات في لباسنا في أحاديثنا في أناشيدنا، فإذا اختلطنا بصديقات المدرسة شعرنا بالاختلاف والغربة، لكنا متميزات بالاجتهاد والستر والأدب، نحن على حق إذ نتبع أوامر الله ونذكره أكثر من الجميع..
لكن لا..أنا لست مثل رفيقات الدرس تماماً، لا أستطيع أن أنجرف مثلهن في عواطفي، لا أستطيع الاستغراق فيما أسمع وفيما أنشد.
ويتكرر لدي ذلك الاعتقاد بأني بنت قاسية القلب، تحتاج إلى الكثير من الصلاة والذكر وأنواع الطاعات حتى يرَّق قلبها.
لكن حادثة عرضت في أواخر الصف الثامن، جعلتني أستبشر وأشعر بغير قليل من البهجة والرضا.

**

كنت مع أبي نحاول العثور على سيارة تعود بنا إلى دمشق، وقد قضينا نهار الجمعة في مصيف مضايا القريب، ربما كانت الأسرة قد سبقتنا، وكان لا بد من عودتنا لأن السبت كان يوم عمل ودراسة.
يزداد الزحام في مثل تلك الأوقات وتندر السيارات.. وكنا ننتقل من رصيف إلى رصيف حين رأيت امرأة تغطي وجهها تكلم أبي.. وإذا به يقول اذهبي معها وأنا سأتدبر نفسي..لما وصلت إلى السيارة وجدت الآنسة..آنسة الدرس في المقعد الخلفي، دعتني إلى جوارها..فلما جلست لا حظت فجأة أن تلك الفسحة ذات الأرصفة التي تنتظر فيها السيارات، تمتلئ بالبنات اللواتي يمكن بسهولة معرفة أنهن من الجماعة نفسها، المعاطف التي تتجاوز الركبيتن قليلاً أو كثيراً، الرؤوس المغطاة إما بمنديل أسود ينسدل على الوجه، أو بأغطية ذات ألوان أخرى تربط من تحت الذقن، إلى جانب طريقة معينة في المشي والحركة..لا زلت أستطيع تمييزها حتى اليوم.
وفهمت أنه كان هنالك نزهة طويلة لبعض الآنسات وبناتهن، اجتماع لم ُأدعَ إليه، لا شك أن الحاضرات على مستوى أعلى، وأهمية أكبر.. لقد قضيت يومي ألهو وآكل وأتمشى.. بينما عدد كبير من البنات مجتمعات في البلدة نفسها حول الآنسات يقرأن القرآن ويذكرن الله وينشدن الأناشيد التي تملؤهن غبطة وراحة نفس..
لا أذكر أني تبادلت الكثير من الكلام مع الآنسة التي أنقذتني من التأخير، بل ساد الصمت معظم الوقت الذي يقارب الساعة.. لكن أفكاري لم تخرج عن ذلك الإطار: كم أنا مقصرة، أنا سيئة جداً، ومع ذلك يرسل الله لي الآنسة فأجلس إلى جوارها، هذا شيء تتمناه كثيرات، فلم لا أشعر بأنه يبهجني كثيراً، لمَ أجد مشاعري عادية؟ بل إن الخجل والاضطراب هو الغالب علي..كيف أصبح بنتاً تقية مستسلمة.. وبدأت من جديد أستعرض ذنوبي الكثيرة..وأكثرها وطأة تأخير الصلوات، وعدم الاجتهاد أكثر في حفظ ما حددته لنفسي من القرآن، وقراءة الروايات وقصص المغامرات التي أخفيها عن أبي وأحياناً أمي.. تصاعدت وتيرة اللوم وتصاعد إحساس غامر بالضعف والحزن والندم وقلة القيمة..
وقريباً جداً من بيتي وجدت نفسي ألقي برأسي على حضن الآنسة، كان معطفها الكحلي يكشف تنورتها الرمادية ذات الكسرات، وهو اللباس الغالب للآنسات بخاصة، كن لا يلبسن إلا البلوزة ذات الكمّ الطويل والتنورة ذات الكسرات التي تخفي كل معالم وتفاصيل الجسم حتى تحت المعطف.. ونشجت..وأفلتت من عيني بضع دمعات..
وكانت ردة فعلها لطيفة وذكية، إذ بعد أن رفعت رأسي بسرعة قالت بصوتها الناعم وبلهجة يمكن أن توصف بأنها تقطر عذوبة ورقة وتفهماً: هكذا تفعلين بتنورتي؟ انظري..
كان هنالك بلل بسيط جداً على التنورة.. توقفت السيارة ونزلت بعد إلقاء السلام..
كنت أريد أن أطير..بل كنت في حال تشبه الطيران، وكان من عادتي أن أقطع المسافة من البوابة الرئيسة إلى باب بيتنا ركضاً، لقد تخففت من عبء كبير، لقد رأت الآنسة دموع ندمي، أنا بنت صالحة تخاف الله إلى درجة أنها تتمنى البقاء دائماً مع آنسة الدرس وزميلات الدرس طول الوقت.
جرعة أو نشوة البهجة تلك لاتدوم في العادة طويلا، ولا شك أني انصرفت بعدها إلى شؤوني، إلى مغامرات طرزان أو سوبرمان، أو قصة استعرتها من المدرسة، أو واجب مدرسي مؤجل.غير أني على الأرجح صليت المغرب بصورة أفضل قليلاً.
كنت أتجاوز الثالثة عشرة قليلاً، وهي تلك السن التي أسميها اليوم( قيد أو تحت الإنشاء) مستخدمة الإنجليزية من باب المزاح: under construction

الأحد، ٩ نوفمبر ٢٠٠٨

(8) درس في الحبّ لم أفهمه

قريبتي الجريئة ذاتُ الوجه الوضيء ببياضه وحمرته، ذات الجرأة والنكتة الحاضرة، التي تردد أناشيد الدروس وأغانيها كلَّ وقت دون أدنى حرج، لم تستمرَّ طويلاً في درسي.
بقيت فترة تحدثني عن الآنسة فلانة، التي كانت صبية مترفة تقود السيارة وتذهب إلى المسابح، وتلبس الملابس المكشوفة، بل تعتمِر أحياناً قبعة تواكب الأزياء السائدة.. ثم هداها الله على يد الآنسة منيرة، فكانت تعبر عن ذلك مزاحاً قائلة: تحولت قبعتي إلى حجاب.
الآنسة فلانة كانت جريئة جهيرة الصوت، شقراءَ بضة ناعمة، بعينين زرقاوين، وأيُّ جمال ينافس أو يضارع زرقة العينين في الشام؟
يوماً بعد يوم كان قريبتي تكرر: أحب الآنسة فلانة، ليس بيدي.. أحبها.. تغمض عينيها وكأنها تتأملها بشغف، تخرج من صدرها الغضّ البريء تنهيدة: صوتها حلو، كلها حلوة..
كنت أسخر منها أحياناً: أنت تحبين شكلها.. شيء مضحك! فتقسم أن ليس هذا هوالسبب، إنها تحبها، وتودّ الانتقال إلى درسها.
لم تكن آنستي شقراء، ولا حسناء.. لكني كنت معجبة بصوتها النديّ وحديثها اللطيف جداً إذا ما قورن بغيرها( وقد كثرت الآن لقاءاتي العابرة بآنسات أخر، في بيوت العائلة والأصدقاء والمعارف) لم يخطر لي يوماً أني أحبها أو أكرهها، ربما كنت أحبها، لكنْ حبَّ التلميذة المعجبة بمعلمتها، كنت أعتقد أنها تقدم لي عوناً عظيماً رائعاً، وتَمدُّني بالكثير من القوة أقارع بها نفسي وشيطاني..
على نحو ما وجدت كلام القريبة المحبوبة التي كم أغبطها على جرأتها ومهارتها في الحياة، رغم أنها تركت المدرسة مبكرة..وجدته معيباً، ولا معنى له: المهم هو الدرس لا الآنسة..
لم يمض وقت طويل، حتى أعلنت الفتاة المغرمة، أنها كلمت أختها، وأن أختها كلمت آنسة ما أكبر( منزلة طبعاً) وسمح لقريبتي بالانتقال إلى حلْقة الآنسة فلانة..
أفهمتني صديقتي الصغيرة هذه، ومن بعدها قريبتنا الأكبر، أن الحب عامل مهم في التلقي، ومن تحبّ الآنسة تستفد أكثر.. تنازعتني مشاعرُ من عتب ولوم، ومن فخر واعتداد: لا يمكن أن أحبّ آنستي إلى هذا الحد.. أنا راضية بها، لكن لا أحسّ نحوها بما تصفه البنات.. هذا الحب لا تستحقّه سوى الأمهات!!
كان يدهشني كيف تتحدث البنات عن الآنسات: يصفنَ حركاتِهن وسكناتهن وعباراتهن البسيطة التي قد تكون نوعاً من الشتم أو النقد أو التذكير القاسي..
كان يدهشني كيف يستغرقن في وصف تفاصيلَ دقيقةٍ تتعلق بملابس الآنسة( ألا حظت كيف بدا كفها مع كمّ القميص من تحت كم المعطف) وتحركات الآنسة( لمحتها بدون حجاب فجرت وغطت رأسها بكفيها وهي تصيح بنا: لا تنظرن إليّ.ياه..!) وكلمات الآنسة التي غالباً ما تكون تقريعاً وتوبيخاً يختلط فيه الجد بالهزل، من مثل: روحي ارمي نفسك في الزبالة أو: ناقض عليك( يعني متراجعة روحياً) ..على العكس منها: فارق عنك!
لكني كنت أقع تحت تأثير الصحبة في بعض الأحيان، فأكرر اتهامي لنفسي بأني بنت قاسية القلب، وأني لو استطعت أن أحبّ لربما كان سلوكي أفضل..
كان صراعاً هادئاً في أغلب الأوقات، لا أبوح به لأحد.. لأن الصراع الأهم كان الصراع معي: نفسي وأهوائي وعدم قدرتي على ضبط نفسي لأسير على دروب الصالحين البكّائين الصوامين القوامين الذين تمتلئ بهم قصص الدرس.
لعلي كنت أتجنب من حيث لا أدري أن تُمَسَّ( ست نفوس) إذا كنتم تذكرون وصف أمي لي، أتجنب أن أضطر لتقديم خدمة ما دون رغبة مني، وقد رأيت مرة في نهاية درس من الدروس إحدى الرفيقات تسبق الآنسة إلى حذائها، لتحضره وتضعه أمامها، لعل الآنسة( ولست متأكدة) أبدت نوعاً من الممانعة، لكني شعرت باستنكار شديد، وتمنيت أن الآنسة سخطت وحذّرت من تكرار الأمر.
ربما يجب أن أختم كلامي بالإشارة إلى أني سمعت عن كثير من الخدمات تقدم للآنسات، تشمل حتى تنظيف البيوت والأطفال، وأن ذلك يحصل امتثالاً للآنسة منيرة ذاتها التي تريد أن تتفرغ فلانة( وهي على الأغلب سيدة حسناء من عائلات دمشق العريقة ذات المال والنفوذ المعنويّ على الأقل) للتدريس والنشاطات الدعوية، ولعل من نقلت إلي هذه الأخبار رأت على وجهي بعض علامات الدهشة أو الإنكار فأضافت: لم لا، إنها ناجحة في التدريس وتحبب البنات بالدين والحجاب.
والحجاب هو نهاية المطاف وهو الغاية الكبرى.. فما أن تتحجب البنت حتى تنال شهادة الإيمان والاستقامة والصدق.
ولعل الواحد منا وقد مرّ بشعبنا وأمتنا ما مرّ حتى اليوم؛ ليدركَ أيَّ فقاعة كاذبة كنا نتدحرج في داخلها، ونحن نرقب تكاثر عدد المحجبات.. ونعيش ذلك التصاعد المفزع المحزن في وتيرة التخلف السياسي( وعلى رأسه خنق الحريات) والاجتماعي والاقتصادي والتربوي..ممهِّداً أو مقترناً بهزائمَ متنوعةٍ موجعة على كل صعيد.
كيف؟

الأربعاء، ١٧ سبتمبر ٢٠٠٨

( 7) وذلك الجسم

فكيف أحارب هذه النفس؟ كيف أتخلص من سطوتها؟
إن من أبرز أساليب القمع أن يكون جسم البنت ومظهرها آخر ما تفكر فيه!!
الجسم حي، يمكن أن يخضع للهوى والنفس، كما يمكن أن يستجيب لنداءات الروح.
الجسم( كما تعلمت بعد زمن) يستحق الرعاية والعناية، لأنه مطيتك( دابتك فعلا) إلى الطاعات كما يقول ابن الجوزي.. الجسم يؤخذ بالحكمة والمسايرة أحياناً، وبالحزم والزجر أحياناً. لا بد من الأسلوبين، لا بد من اتباع سنة المبعوث رحمة للعالمين.
لكن الأمر يختلف عندما تسلك طريقاً نحو التصوف، أو ما يشبهه :

فيمايتعلق بالعناية الشخصية، فقد بدا لي واضحاً من مخالطة القريبات والزميلات أن بعض شؤون التنظيف والتجميل التي تألفها مجتمعات النساء، صارت أمراً شبه منكر..
لقد شعرت أحياناً ببعض العطف والحزن لما آلت إليه حال بعض الشابات اللواتي كن مهتمات لمظهرهن وجمالهن، قبل أن يصبحن قبيسيات!!
وسيمضي وقت غير قصير، قبل أن أسعى إلى معرفة الفرق بين ما فرضته الدروس.. وما فرضه الله، بين ما منعته الدروس، وما حرمه الله تعالى، في دين يهذّب الفطرة ولا يحاربها، يدعو إلى الحياة الطبيعية دون شطط، ولا غفلة.
لنعد إلى( ذلك الجسم)
يفضل أن تلبسي قميصاً قطنياً بكم قصير تحت ملابسك صيفاً شتاء ربيعاً خريفاً.. يكمله سراويل* قطنيّ أيضاً يقبض على ما تحت الركية بمطاط..
لباس آخر لا بد من الإشارة إليه ولوكان محرجاً: يجب ألا تلبس البنت صدرية( يسميها الشوام سوتيان بالفرنسية)، أو منهدة كما سماها صبري القباني صاحب مجلة( طبيبك) الشهيرة ربما من قبل أن أولد، والتي كانت من المجلات المستفظعة المستقذرة، لا يقرؤها أحد في البيوت المحافظة، والله أعلم، إلا خلسة.
بذلك تضيع معالم جسم الأنثى، حتى في بيتها، وتقنع نفسها( أو توهمها) بأنها لا تفكر بأنوثتها، وأنه لا أحد سيهتم بها بعد.
من هنا يفترض فيها ألا تشغل نفسها بمسألة الزواج، بل إن هذه الفكرة تقلقها وتجعلها تتساءل كيف يمكن التوفيق بين طاعة الله والتبتل له، وبين أن تصبح زوجة، عليها كل واجبات الزوجة..
لكن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم تزوج وأنجب، أبواها تزوجا!.. الآنسات الكبيرات لم يتزوجن، لم يردن أن تشغلهن شهوات الأرض عن دعوة السماء..فأين الصواب، وأين الحق.. وهل يمكن أن أناقش أمراً فعله صاحب الرسالة وسائر صحابته.
الحياة الحقيقية مغيَّبة تماماً عن الدروس، كلُّ الذين تضرب بهم الأمثال: هجروا الدنيا، تعرضوا للمهانة والازدراء، جاعوا وتشردوا هاموا على وجوههم يجرون أجساماً أثقلتها آثام فظيعة لايدرون كيف ومتى يكفّرون عنها.....
سبحان الله!
وكأنك أيها الإنسان خلقت لتهجر الدنيا، متفرغاً للبكاء على خطاياك، لتأديب نفسك إن لم يكن تعذيبها!! فلا يتبقى لديك أي وقت لتكون خليفة الله في أرضه، فتعمرها وتنشر فيها رسالة الخير، قائماً على الحق في مواجهة الباطل.
استطراد أجده مفيداً:
وعندما يتجاهل الآباء والمربون حاجات الجسم وتطوراته الطبيعية، وينظرون إليها باستقذار كَنَسي، ولا يسمحون بالخوض فيها معهم أو أمامهم، يظنون أن الأمور تسير وفق ما يشتهون، وأن الأبناء لن يبحثوا عن مصادر أخرى تعلمهم أو ترد على تساؤلاتهم أو تفسر مشاعرهم وتوجهها، ولقد اطلعت بعد زمن طويل جدا، بعد الزواج والإنجاب، على عدد من مجلة( طبيبك)، فوجدت أني كنت بحاجة ماسة إليها في وقت من الأوقات، وأنها لو تجنبت المبالغة والتفصيل المثير أحياناً، لربما أعانت بعض البيوت.
وإن كان لنا- معاشر المسلمين- في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته المبينة لكتاب الله تعالى؛ لغنى في شؤون الدنيا والآخرة، لو صدقنا في قراءتها واستنطاقها.
***
لم يطل بي الأمر حتى اتخذت للخروج معطفاً واسعاً، يغطي جزءاً من الساقين، مثل كثير من رفيقات الدرس، لكني شعرت بالحنق والحرج من مظهري.
لعلي لم أكن أشعر بالراحة إلا وأنا في الدرس على وجه الخصوص.. حيث أغدو جزءاً، ربما قطرة، في تيار غامر جبار يحملني، فأشعر بأني أخف، وأكاد أنسى وجود أي عبء على كتفي ّ الناميتين.
____________
*الجسم في اللغة، غير الجسد، الجسد هو المكوِّن المادي، أو البدن دون روح، قال تعالى في وصف المرسلين "وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين" الأنبياء/ 8 وقال تعالى: " واتخذ قوم موسى من حليّهم عجلاً جسداً له خوار.." الأعراف 148 – أما الجسم فهو البدن الحي، وفي وصف طالوت قال تعالى" وزاده بسطة في العلم والجسم" البقرة/ 247
* السراويل للواحد هي الصواب، والجمع سراويلات( انظر المعجم الوسيط: سرول). وإن كان الشائع: سروال، مع جمعه على سراويل.

الخميس، ٤ سبتمبر ٢٠٠٨

(6) ونفسٍ وما سوّاها

بدون تعليمات موجهة لي شخصياً( كما أشرت في حلقة سابقة).. من النظرات المتبادلة، من بعض العبارات التي تبدو عرضية أحياناً، من مظهر رفيقات الدرس؛ من أحاديث وتوجيهات القريبات الغارقات في حب الآنسات، تشكل لدي وعي ما، إحساس ما بما يجب وما لا يجب.. بما تحب الآنسة وما تكره، وكنت راغبة في الطاعة، ربما بحكم السن أو الطبيعة الشخصية، ربما بسبب انتمائي إلى بيت لا يخلو من روح التصوف، ولعل كل بيوت الطيبين المتدينين( كما يُسمَّون) في الشام كانت كذلك

ذلك أن الإرث الصوفي، الذي يضرب بجذوره إلى أيام المماليك، ومن بعدهم العثمانيون، هو الأقوى والأكثر شيوعاً في الشام، حيث دفن محيي الدين بن عربي( وقد بنى المسجد على قبره السلطان العثماني سليم الأول) الذي صار قبره مقصد الحزانى المبتلين، والخائفين الراغبين، يتبركون بزيارته وينذرون له النذور، وهو الرجل الذي يدل ظاهر كلامه على عقيدة وحدة الوجود* الكفرية، لكن الرافضين لتكفيره يقولون: إن الكلام الموجود في كتبه كفر
ومن هنا كانت الحرب الشعواء على النفس ومطالب النفس وهوى النفس؛ ثقافةً شائعة رسخت لدينا الميل إلى احتقار الذات والسعي إلى سحقها وإذلالها

لم يكن الفرق واضحاً أبداً ولا مطروحاً ما بين النفس اللوامة، وبين ذلك الشعور الثقيل الذي يربك فكرة الاعتزاز بكونك مسلمة

لم أسمع في درسي يوماً تلك العبارة الشهيرة لعمر رضي الله عنه: لا تُمِت علينا ديننا.. على العكس كان التماوت والاستكانة والتحسر؛ هو السائد في الدروس وفي المجالس، سواء
هذه النفس أمّارة بالسوء، تحركها الأهواء والشهوات، ولا بد من كبحها وصولاً إلى قهرها.
الأفكار يجب أن تراقب، المشاعر تحت المراقبة، ويجب أن نسيطر عليها بحزم وقسوة..
***
لذلك كان ثمة صلوات كثيرة مطلوبة، عدا الفريضة: صلاة الضحى( يستحسن أن تصل إلى اثنتي عشرة ركعة) وصلاة الرغائب( لها توقيتها من شهر رجب وأصولها)، وصلاة التسابيح(ولها أصولها أيضاً)، ثمة
قيام الليل بالطبع، لكن له طقوسه وأصوله

وقد سبق الحديث عن حفظ القرآن، وكيف أنه كان شيئاً بدهياً، أكاد أجزم أنه صارف عن الغاية من هذا الكتاب المعجز، الذي يحمل رسالة الإسلام، طالما أنه يتمّ بسرعة ودون أن يرافقه ولو حد أدنى من الإلمام بموضوعات السورة أو أسباب نزولها.. أبدا.. الكمّ هو الفيصل، كلما حفظت أكثر، فأنت أفضل.

يجب أن تكون لك أذكار وتسبيحات يومية صباحية ومسائية( بالألوف)، ولقد حاولت تقليد إحدى قريباتي في ذكرها حين تضع على رأسها شرشفاً كبيراً يؤمن لها الظلمة، ومعها سبحتها، ثم تبدأ الذكر، وإذا بها بعد دقائق تبدأ تهتز .. وصوت حبات السبحة يتتابع بصورة أسرع.
كأن الأمر أعجبني، واعتقدت أني سأكون بنتاً صالحة لو استطعت الوصول إلى هذه الحال، فلما جربت ذلك مرة أو مرتين وجدت أن اهتزازي ليس ناشئاً عن خشوع أو حالة ما! بل يعود إلى نشدان السرعة وقد ألِف الذهن عبارة التسبيح أو الاستغفار، واللسان يريد التجاوب مع سرعة الذهن، فلا ينجح تماماً، فلايجد أمامه إلا الاستنجاد بحركة الجسم الذي يستجيب باهتزازات متقاربة قوية.. وكأنه يساعد اللسان على الإسراع
كيف تكون العبادة مربكة معقدة هكذا..

***
أنا بنت رديئة كسولٌ مزاجية!! وسأعيش هذا الصراع الجاهل طويلاً.. بانتصارات نادرة.. وهزائم متكررة.
_________________
*وحدة الوجود: عقيدة تقول بأن الله والطبيعة واحد، وكل صورة في الكون إنما تعبر عن الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا. وانظر
http://www.saaid.net/feraq/mthahb/87.htm